دورة أكتوبر لم تعقد.. لكنها كشفت حقيقة السياسة بمكناس

لم تكن مقاطعة دورة أكتوبر العادية بمجلس جماعة مكناس حدثا إداريا عابرا، بل كانت لحظة مفصلية كشفت المستور وأسقطت الأقنعة عن أحزاب لطالما قدمت نفسها حاملة لهم المدينة، فبعد أقل من عام واحد من تولي عباس الومغاري رئاسة المجلس، بات واضحا أن صراع مكناس لم يعد حول الأرقام أو المقاعد، بل حول النوايا الحقيقية لخدمة المدينة.
لقد اختارت المعارضة، بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار وبتحالف يجمع الاستقلال والأصالة والمعارضة والعدالة والتنمية وبعض مكونات اليسار، مقاطعة الدورة، ما أدى إلى عدم اكتمال النصاب القانوني وتأجيل انعقادها في موعدها المحدد. هذا القرار لم يكن موقفا بريئا، بل محاولة متكررة لإرباك المشهد وعرقلة المسار التنموي الذي بدأ يتحقق على الأرض.
الومغاري، الذي جاء إلى الرئاسة بـ26 صوتا فقط من أصل 61، لم يكن يملك أغلبية عددية، لكنه امتلك أغلبية المصداقية، والدليل أنه خلال عام واحد، تحركت أوراش كانت راكدة، وأعيدت مشاريع إلى الحياة، وارتفعت مداخيل الجماعة إلى ثلاث مرات عما كانت عليه، واليوم، يرى المكناسيون أن ما تحقق يفوق بكثير ما وعدوا به.
غير أن المقاطعة الأخيرة كشفت أن الصراع الحقيقي بمكناس ليس حول تفاصيل الميزانية أو دفاتر التحملات، بل هو صراع بين من يريد بناء شرعيته بالعمل، ومن يريد الحفاظ على نفوذه عبر التعطيل، أو لنسميها مواجهة بين من يؤمن بأن التنمية تصنع بالإنجاز، ومن يعتقد أن السياسة تمارس بالعرقلة.
لقد أدرك المكناسيون هذا التحول بوعيٍ كبير، بمعنى أن المواطن لم يعد ينخدع بالشعارات الحزبية ولا بالبيانات النارية، بل صار يحكم بالأفعال والنتائج. أما المقاطعة هذه المرة فلم تضعف الرئيس، بل قوت صورته في الشارع، لأن الناس رأوا من يعمل بجد رغم العراقيل، ومن يتهرب من المسؤولية عند كل منعطف. الحقيقة أنها لحظة تحول في المزاج الشعبي جعلت الساكنة تصطف إلى جانب من يخدمها، لا من يتحدث باسمها.
لقد أضحت مكناس اليوم مرآة صادقة للمشهد السياسي الوطني، فما جرى في مجلسها يعكس أزمة أعمق تعيشها أحزاب فقدت البوصلة بين المصلحة العامة وحسابات المواقع. أحزاب تتناقض خطاباتها بين الوطني والمحلي والنموذج حزب العدالة والتنمية الذي يرفع شعار المعارضة الوطنية بالرباط، وينحني محليا أمام الأحرار في تحالف مصلحي مكشوف، وأحزاب اليسار التي كانت تفتخر بنظافتها السياسية، غاصت في مستنقع الحسابات الصغيرة.
لكن مقابل هذا التراجع، برزت قيادة محلية مختلفة، تعمل بصمت، وتفرض احترامها بالمنجز لا بالكلام، بدليل أن عباس الومغاري اليوم لا يمثل فقط رئيس جماعة، بل يمثل نموذجا جديدا للفاعل المحلي الذي يقود رغم قلة الدعم، ويصمد أمام البلوكاج بإرادة صلبة.
اليوم لم تسقط مقاطعة دورة أكتوبر جدول أعمال فحسب، بل أسقطت أقنعة كثيرة، ومكناس كشفت من يخدمها ومن يساوم عليها، ومن يرفع شعار التنمية ليعرقلها، والنتيجة واضحة وهي أن الومغاري خرج أقوى، والمدينة ربحت احترام أبنائها، والمعارضة خسرت رصيدها الأخلاقي والسياسي.
مكناس اليوم تعرف طريقها، ولن تعود إلى الوراء، وبالتالي من أراد الوقوف في طريقها، فليعلم أن قطار التنمية انطلق ولن يتوقف بعد الآن.