اللعبة الخفية بمكناس.. كيف تحاول قيادة الأحرار والاستقلال ترويض الأصالة والمعاصرة وإخضاعه لحكم الوصاية السياسية؟

لم تعد مكناس تعرف تنافسا سياسيا عاديا بين مكونات الأغلبية الحكومية، بل تحولت في الأشهر الأخيرة إلى ساحة صراع خفي تدار خيوطه في الكواليس لإعادة ترتيب موازين القوى داخل المدينة، بل وعلى مستوى جهة فاس مكناس بأكملها. فخلف الهدوء الظاهري، تتشكل معركة دقيقة تحاول فيها قيادات من حزبي الأحرار والاستقلال اختراق حزب الأصالة والمعاصرة وتحويله إلى تابع، بعدما وجدت في ضعف أمانته الإقليمية بمكناس مدخلا مناسبا لتمرير أجندات لا تخدم مصالح الحزب ولا مناضليه.
تجلت أولى مظاهر هذا الارتباك عندما أقدم الأمين الإقليمي على إغلاق مقر الحزب في وجه شباب التنظيم الذين كانوا يعتزمون عقد لقاء داخلي بعد اشعار الأمين الجهوي. كان ذلك التصرف كافيا لإشعال غضب واسع في صفوف القواعد، إذ اعتبر سلوكا يعكس استخفافا بالمناضلين واستخفافا بروح العمل الحزبي. أما الأهم فهو أنه كشف محدودية الأمانة الإقليمية وعجزها عن تدبير الاختلاف بالحوار والانفتاح، وهي قيم أساسية يفترض أن يقوم عليها العمل السياسي.
في المقابل، أظهر الأمين الجهوي محمد حجيرة حسا قياديا لافتا حين قرر التحرك بسرعة نحو مكناس فور علمه بالحادث، حيث قطع الرجل المسافة من فاس إلى المدينة ليلتحق بالشباب الذين وجدوا مقرهم مغلقا، واختار أن يجتمع بهم في الشارع، في مشهد رمزي أكد أن الحزب لا يغلق في وجه مناضليه، مهما كانت الخلافات. هذا الموقف أعاد الثقة إلى القواعد، لكنه في الوقت نفسه أحرج الأمين الإقليمي وأبرز ضعفه التنظيمي وفقدانه للقدرة على احتواء الأزمات.
منذ ذلك الحين، بدا واضحا أن الأمين الإقليمي لم يعد يتحرك وفق منطق مؤسساتي داخلي، بل أصبح أقرب إلى واجهة تستخدم من قبل أطراف خارج الحزب. فقد نجحت قيادات من الأحرار والاستقلال في استمالته تدريجيا، إلى أن تحول إلى أداة تسهم في إضعاف الأصالة والمعاصرة من الداخل، وبدل أن يعمل على توحيد الصفوف وتحصين التنظيم، انخرط في محاولات لتفكيك تماسكه خدمة لمصالح انتخابية مشتركة بين الحزبين المنافسين.
ازدادت مؤشرات هذا الارتباك وضوحا عندما تجاهل الأمين الإقليمي التوجيهات الصريحة الصادرة عن القيادة المركزية، التي تمثلها فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، عندما شددت خلال اجتماع رسمي ضم رئيس جماعة مكناس وبرلمانيي الإقليم على ضرورة انخراط الحزب في الدينامية التنموية التي تعرفها المدينة، ودعت إلى دعم برامج إعادة هيكلة الأحياء الناقصة التجهيز. إلا أن الأمين الإقليمي اختار الاصطفاف مع خصوم الحزب المحليين، متجاهلا التوجه الرسمي الذي وضعته قيادته الوطنية. بذلك، أكد من جديد أنه فقد بوصلته التنظيمية، وأنه أصبح يتحرك خارج منطق الانضباط الحزبي والمؤسساتي.
هذا الانحراف لم يكن سوى نتيجة مباشرة لحالة التبعية التي يعيشها، حيث تخلى عن دوره كفاعل سياسي مسؤول، وسمح بتحويل موقعه إلى أداة لتأزيم الوضع الداخلي. وبدل أن يساهم في حماية صورة الحزب ومكانته، أصبح مصدرا للإرباك، الأمر الذي فتح الباب أمام خصوم البام للتغلغل أكثر داخل هياكله واستعماله كورقة ضغط في حساباتهم الانتخابية المقبلة.
حين أدرك محمد حجيرة حجم الاختراق الذي يتعرض له الحزب بمكناس، تحرك بحزم لإعادة الأمور إلى نصابها، لقد فهم منذ البداية أن ما يحدث ليس مجرد سوء تفاهم تنظيمي، بل محاولة منظمة لضرب الحزب في عمقه الإقليمي. لذلك أعلن صراحة أن الأصالة والمعاصرة سيستعيد قراره المستقل، وأطلق دينامية جديدة تهدف إلى تصحيح المسار وإعادة الانسجام إلى البيت الداخلي. غير أن هذا التحرك أربك خصومه الذين كانوا يعولون على استمرار حالة الفوضى، فاختاروا الرد بطريقة مختلفة.
فخلال اللقاء الجهوي الأخير لفاس مكناس، والذي عرف حضورا نوعيا ومناقشات تنظيمية مهمة، غاب الأمين الإقليمي لمكناس رغم وجوده بمدينة فاس مكان انعقاد اللقاء، وفضل عقد اجتماع مواز مع قيادات من الأحرار والاستقلال في التوقيت ذاته، فلم يكن ذلك الغياب عابرا، بل جاء منسقا مع حملة إعلامية مفاجئة نشرت مقالات متشابهة في مضمونها، حملت نبرة هجومية على الأمين الجهوي، وتحدثت عن “فشل اللقاء” و”ضعف القيادة الجهوية”. وقد اتضح سريعا أن تلك الحملة لم تكن سوى محاولة جديدة لتشويه صورة حجيرة وتقويض خطواته الإصلاحية بعد فشل خطط إضعافه تنظيمياً.
المتابعون للشأن السياسي الجهوي يؤكدون أن ما يجري لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع حول من يملك القرار بمكناس، فبينما يعمل حجيرة على إعادة بناء الحزب على أسس مؤسساتية تحترم الانضباط والشرعية، تسعى أطراف أخرى إلى إبقائه في موقع التابع لتضمن استمرار تحكمها في المشهد المحلي. ومن الواضح أن الأمانة الإقليمية أصبحت الحلقة الأضعف التي تستغل لتمرير هذا المشروع، إذ لم تعد قادرة على القيام بدورها القيادي أو الدفاع عن استقلالية الحزب.
ورغم كل محاولات التشويش، تبدو القيادة المركزية واعية تماما بخطورة الوضع، إذ تتابع التطورات عن كثب وتدرك أن حماية استقلالية البام بمكناس ليست قضية محلية فحسب، بل اختبار لقدرته على الصمود في وجه محاولات الاختراق السياسي. فالرهان اليوم هو ما إذا كان الحزب سيتمكن من استعادة وحدته الداخلية وتحصين قراره الجهوي، أم أنه سيستسلم لمحاولات الترويض التي تستهدف إضعافه من الداخل.
إن ما يجري بمكناس لا يمكن اختزاله في خلاف بين أشخاص، بل هو صراع بين مشروعين متناقضين، مشروع يحاول تحويل الحزب إلى ذراع سياسية تابعة، وآخر يسعى إلى الحفاظ على استقلاليته وهويته التنظيمية. وبين هذين المشروعين، يقف محمد حجيرة في مواجهة ضغوط متعددة، مدعوما بوعي القواعد وثقة القيادة المركزية التي ترى في معركته دفاعا عن كيان الحزب برمته.
في المحصلة، تكشف هذه الأحداث أن ضعف الأمانة الإقليمية بمكناس هو الثغرة التي استغلها خصوم الحزب لاختراقه، غير أن وعي القيادة الجهوية والمركزية قد يشكل طوق نجاة يعيد التوازن إلى البيت الداخلي، ويحول الأزمة إلى فرصة لتجديد الدماء وتصحيح المسار قبل أن يفوت الأوان.