الاحتقان الاجتماعي يلاحق حكومة أخنوش.. ثلاث قنابل موقوتة في التعليم والصحة والتعليم العالي

منذ تشكيل حكومة عزيز أخنوش سنة 2021، عقب انتخابات أثارت جدلاً واسعاً حول ظروفها ونتائجها، لم تعرف الجبهة الاجتماعية هدوءاً حقيقياً. فقد تحوّلت القطاعات الحيوية الثلاثة – التعليم، التعليم العالي، والصحة – إلى بؤر توتر متواصلة، تُنذر بتآكل الثقة بين الحكومة والمجتمع، وسط شعور متزايد بالخيبة من غياب الإصلاحات الملموسة وارتباك السياسات العمومية.
ففي الوقت الذي روج فيه لخطاب “الدولة الاجتماعية” كإطار جامع لسياسات الحكومة، عادت الشوارع والساحات لتشهد موجات احتجاج واسعة، قادها الأساتذة والأطباء وطلبة الطب والصيدلة، ضد ما اعتبروه “قرارات فوقية” و“تملصا حكوميا من الالتزامات السابقة”. ملفات كثيرة تراكمت منذ أربع سنوات، لكن الحلول ظلت مؤجلة أو مؤقتة، في ظل تغييرات حكومية متأخرة ووزراء يسعون لإثبات الذات دون استمرارية في النهج.
ويجمع المتتبعون على أن التعديلات التي طالت وزارتي التعليم والصحة لم تفض إلى تحسن ملموس، إذ لم يظهر الوزراء الجدد كفاءة في تدبير ملفات معقدة ومتشابكة. بل زادت بعض القرارات الارتجالية من حدة الاحتقان في الميدان، بعدما اتسمت المرحلة الحالية بضعف التنسيق، وغياب المقاربة التشاركية، وتراجع الثقة بين الإدارة والنقابات المهنية.
في قطاع التعليم، يعيش الوزير سعد برادة الحالي على وقع انتقادات حادة بسبب مشروع “مدارس الريادة”، الذي قدم كأحد أعمدة الإصلاح، لكنه سرعان ما تحول إلى نقطة خلافية داخل المنظومة التربوية. فالمشروع رسخ، حسب الفاعلين التربويين، تمييزا واضحا بين المؤسسات “الرائدة” والمدارس الأخرى، مما أضر بمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ، خصوصا في العالم القروي.
تزامنا مع ذلك، تفاقمت الأزمات المرتبطة بالحركة الانتقالية للأساتذة، وتسوية الملفات العالقة، والترقيات، وملف “الزنزانة 10”، فضلا عن ضعف الإمكانات المادية والبشرية داخل المؤسسات التعليمية. النقابات تتحدث عن تراجع في جودة التعليم، و“إصلاحات شكلية” تتخذ دون حوار حقيقي مع الشركاء الاجتماعيين، مما جعل الدخول المدرسي الأخير من أكثر المواسم توترا في السنوات الأخيرة.
أما التعليم العالي، فيعيش بدوره مرحلة احتقان حاد بسبب مشروع القانون 24-59، الذي أثار موجة من الرفض داخل الجامعات. المشروع، وفق النقابات، يحمل “تراجعات خطيرة” تمس مجانية التعليم واستقلالية الجامعة، ويحولها تدريجيا إلى فضاء تجاري خاضع لمنطق السوق، بعد فرض رسوم مالية على الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراساتهم العليا.
الهيئات النقابية اعتبرت هذه الخطوة تراجعا عن مبدأ المساواة في الفرص، محذرة من “تسليع المعرفة” وتقليص تمثيلية الأساتذة والطلبة في المجالس الجامعية، وهو ما اعتبرته خروجا عن فلسفة الجامعة العمومية، التي كان يفترض أن تكون رافعة للعدالة الاجتماعية.
أما قطاع الصحة، فبقي عنوانا للأزمة المزمنة. فالمستشفيات العمومية تعاني من خصاص حاد في التجهيزات والموارد البشرية، وتدني في جودة الخدمات، مقابل انتعاش القطاع الخاص الذي أصبح الوجهة المفضلة للأطباء بسبب الامتيازات والترخيص الممنوح لهم بالاشتغال فيه موازاة مع عملهم في القطاع العام.
الوزير الحالي، الذي وجد نفسه وسط تراكمات إدارية وشكاوى متزايدة من المواطنين، حاول الظهور بمظهر الوزير الميداني من خلال زيارات فجائية، غير أن النقابات ترى أن التحركات “دعائية أكثر منها إصلاحية”، ما دام الوضع لم يتغير في جوهره. فملفات التعويضات، وتحسين ظروف الاستقبال والعلاج، وتقوية المراقبة والمحاسبة، ما زالت تراوح مكانها، في ظل غياب رؤية واضحة للمنظومة الصحية.
ويرى عدد من المراقبين أن الأزمة في القطاعات الثلاثة تتجاوز أخطاء الأشخاص، لتكشف عن خلل بنيوي في طريقة إدارة الملفات الاجتماعية داخل الحكومة. فبدلا من الإصغاء والتفاعل، تميل المقاربة الحالية إلى القرارات الانفرادية والتدبير اللحظي للأزمات، في غياب تخطيط استراتيجي متكامل يربط المسؤولية بالمحاسبة ويقيس الأثر على المواطن.
بعد أربع سنوات من الوعود والبرامج، لم يتحقق ما كان ينتظر من “الدولة الاجتماعية”. فالتعليم ما زال يعاني من التفاوت والجودة، والتعليم العالي يعيش مأزق الإصلاح المفروض، والصحة العمومية تترنح بين سوء الحكامة وضعف التجهيز.
وبين وزراء يسابقون الوقت لإثبات وجودهم، ومجتمع فقد ثقته في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، تبدو القطاعات الاجتماعية الثلاث اليوم بمثابة اختبار حقيقي لمصداقية الدولة، فهل تملك الإرادة للإنقاذ، أم أنها ستكتفي مجددا بإدارة الأزمات إلى حين انتهاء الولاية الحكومية؟