دعم المصحات الخاصة الغامض.. لغز المال العام الذي ينعش الشك ويضعف الثقة ويربك الحكومة

في ظل الجدل المتصاعد حول شفافية الدعم العمومي الموجه للقطاع الصحي الخاص، وجه فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب طلبا رسميا إلى رئيس لجنة القطاعات الاجتماعية من أجل عقد اجتماع عاجل بحضور وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، لتقديم توضيحات مفصلة بشأن الدعم المالي الذي استفادت منه بعض المصحات الخاصة.
الخطوة، التي جاءت عقب تضارب التصريحات بين الحكومة والجمعية الوطنية للمصحات الخاصة، تعكس ارتفاع منسوب الشكوك داخل المؤسسة التشريعية بخصوص طريقة تدبير هذا الملف وحجم الأموال العمومية التي وجهت إلى القطاع الصحي الخاص في مرحلة تتسم بحساسية مالية واجتماعية كبيرة.
فوفقا لمراسلة الفريق النيابي، التي اطلع عليها موقع المستقل، فإن المبادرة تأتي في أعقاب ما ورد على لسان رئيس الحكومة خلال جلسة المساءلة الشهرية المنعقدة يوم 7 يوليوز 2025، حين أقر بوجود دعم مالي موجه للمصحات الخاصة، مبرزا أن “بعض الملفات تم توقيفها بعد مراجعة شروط الاستفادة”.
وفي المقابل، أوضح وزير الصحة خلال اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية بتاريخ فاتح أكتوبر أن الدعم ما زال قائما، مشيرًا إلى أنه اتخذ قرارا بإيقاف الإعانات الاستثمارية، دون أن يفصل في طبيعة أو حجم الدعم القائم، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول مدى وضوح السياسة الحكومية في هذا المجال.
غير أن الجمعية الوطنية للمصحات الخاصة سارعت إلى نفي كل ما ورد في هذا السياق، مؤكدة في رسالة رسمية موجهة إلى الوزير بتاريخ 5 أكتوبر أنها “لم تستفد أي مصحة من أي دعم، سواء تعلق الأمر بنفقات التسيير أو تجهيز البنيات الصحية”، وهو ما فاقم حالة الغموض وأعاد طرح سؤال الشفافية في العلاقة بين الدولة والقطاع الصحي الخاص.
ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين الروايات الرسمية يعيد إلى الواجهة قضية الحكامة في تدبير الدعم العمومي، خصوصا في قطاع حيوي مثل الصحة، الذي يفترض أن يوجه الدعم فيه نحو تعزيز البنيات الاستشفائية العمومية وتحسين الخدمات لفائدة المواطنين، لا نحو دعم مؤسسات ربحية تعمل بمنطق السوق.
ويعتبر كثيرون أن هذه المعطيات تبرز الحاجة إلى مراجعة آليات الدعم العمومي وتحديد أهدافه بوضوح، حتى لا يتحول إلى أداة لتغذية تفاوتات جديدة بين القطاعين العام والخاص داخل المنظومة الصحية.
وفي هذا السياق، شدد فريق التقدم والاشتراكية على ضرورة أن يقدم الوزير أمام البرلمان جميع التفاصيل المتعلقة بمعايير الاستفادة، والأسماء، والمبالغ المصروفة، والمرجعية القانونية التي تم اعتمادها، مؤكدا أن “الشفافية في تدبير المال العام هي جوهر الثقة بين المواطن والدولة”.
كما دعا الفريق إلى أن يكشف للرأي العام عن مصير الملفات الموقوفة التي أشار إليها رئيس الحكومة، ومدى قانونية الاستمرار في صرف أي دعم دون إطار تنظيمي واضح.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعيش فيه القطاع الصحي المغربي مرحلة انتقالية حساسة، مع بدء تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية والإصلاح الشامل للمنظومة الصحية، وهي مرحلة تستدعي، بحسب المتتبعين، أعلى درجات الوضوح في السياسات العمومية، وتوازنا دقيقا بين تشجيع الاستثمار الخاص وضمان العدالة في توزيع الدعم العمومي.
وبينما يترقب الرأي العام ما سيكشف عنه الاجتماع البرلماني المرتقب، يبدو أن ملف الدعم الموجه للمصحات الخاصة قد تحول إلى اختبار حقيقي لمدى التزام الحكومة بمبدأ الشفافية والمساءلة، وإلى محطة جديدة في النقاش الدائر حول علاقة الدولة بالقطاع الصحي الخاص، وحدود الشراكة بين المصلحة العامة والمصالح الربحية.