الداخلية تعلن الحرب على الهدر المالي داخل الجماعات الترابية وتعيد ضبط بوصلة الإنفاق المحلي

في سياق وطني يتسم بتعقد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وجهت وزارة الداخلية المغربية دورية جديدة إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم تدعو فيها إلى ترشيد النفقات وضبط ميزانيات الجماعات الترابية، غير أن هذه الدورية، في عمقها، ليست مجرد توجيه إداري روتيني، بل تعبر عن تحول نوعي في مقاربة الدولة لتدبير المال العام المحلي، في ظل ضغوط مالية متزايدة وتطلعات متنامية نحو العدالة المجالية والنجاعة التنموية.
وتأتي هذه الخطوة في لحظة دقيقة من مسار الإصلاح المالي بالمغرب، خصوصا مع تصاعد كلفة المشاريع الاجتماعية الكبرى، وتزايد التزامات الدولة تجاه القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، أصبح من الضروري أن تتحمل الجماعات الترابية جزءا من مسؤولية عقلنة الإنفاق وضبط الميزانيات. فالدورية تعكس إدراكا مركزيا بأن الموارد العمومية لم تعد تتحمل الهدر وسوء البرمجة، وأن كل درهم ينفق يجب أن يترجم إلى أثر ملموس في حياة المواطن.
خلف هذه الدورية أيضا بعد سياسي وإداري واضح. فمنذ إطلاق ورش الجهوية المتقدمة، تعالت الأصوات المنتقدة لضعف مردودية الإنفاق المحلي وغياب التخطيط القائم على النتائج، واليوم، يبدو أن وزارة الداخلية تسعى إلى تصحيح هذا المسار عبر فرض معايير جديدة في إعداد الميزانيات، تجعل من النجاعة المالية والصدق في التقدير عناصر إلزامية وليست اختيارية. فهي دعوة غير مباشرة للجماعات الترابية لتبني نموذج تدبير حديث يعتمد على التقييم والمساءلة بدل منطق التسيير البيروقراطي.
كما تعكس الدورية رغبة في إعادة ترتيب أولويات التنمية المحلية، حيث دعت إلى توجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي الملموس، خصوصا تلك التي تخلق فرص شغل وتعزز الخدمات الأساسية. هذا التوجه يتماشى مع الرؤية الملكية التي طالما شددت على تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتحقيق تنمية متوازنة بين الجهات. وبذلك، يمكن القول إن الدورية ليست فقط وثيقة مالية، بل ترجمة عملية لتوجه سياسي نحو ربط التنمية بالعدالة الترابية.
أما من الناحية المؤسساتية، فالدورية تضع الجماعات الترابية أمام تحدي الحكامة. فترشيد النفقات لا يعني التقشف بقدر ما يعني إعادة بناء ثقافة التدبير العمومي. لم يعد مقبولا أن تستمر بعض الجماعات في إنفاق ميزانياتها على نفقات شكلية كالحفلات والاستقبالات بينما مشاريع البنية الأساسية والخدمات الاجتماعية تعاني التأجيل أو ضعف التمويل. ومن هنا تأتي الدعوة إلى تقدير المداخيل على أسس واقعية، وضبط الدعم الموجه للجمعيات وفق أثره الحقيقي، بما يكرس مبدأ ربط التمويل بالنتائج والمساءلة.
ولعل أبرز ما يميز هذه الدورية هو صرامتها في الجانب القانوني، إذ شددت على إدراج المبالغ المحكوم بها ضد الجماعات ضمن ميزانيات 2026، ضمانا لتنفيذ الأحكام القضائية واحترام التزامات الدولة. هذه الإشارة، رغم طابعها التقني، تعكس توجها نحو ترسيخ دولة القانون داخل منظومة التدبير الترابي، وإغلاق الباب أمام تراكم الديون أو التهرب من تنفيذ الالتزامات القضائية.
هذا ويمكن القول إن دورية وزارة الداخلية جاءت لتضع الجماعات الترابية أمام لحظة مساءلة حقيقية، فإما أن تتبنى منطق النجاعة والشفافية وتتحول إلى فاعل تنموي حقيقي، أو تظل أسيرة ممارسات تقليدية تستهلك الموارد دون أثر. إنها دعوة إلى تحول ثقافي قبل أن تكون مجرد توجيه مالي، تحول يجعل من المال العام أداة لبناء التنمية وليس وقودا للهدر. وإذا ما تم تفعيل هذه التوجهات بصرامة ومتابعة، فقد تمثل هذه الدورية نقطة انطلاق نحو جيل جديد من الحكامة المالية المحلية، أكثر اتزاناً، وأكثر التصاقاً بحاجات المواطن.