عصابة الوسطاء ترهب مهنيي النقل بمكناس.. والمحطة الطرقية تتحول إلى وكر للابتزاز والعنف

مكناس _ عرفت المحطة الطرقية بمدينة مكناس بعد زوال أمس الثلاثاء حادثا خطيرا، بعدما تعرض أحد المهنيين في قطاع النقل الطرقي لاعتداء جسدي عنيف من طرف ثلاثة وسطاء معروفين بسوابقهم في مجال الوساطة والابتزاز داخل المحطة. الضحية، وهو صاحب حافلة تعمل على خط مكناس – الدار البيضاء، تم نقله على وجه السرعة بسيارة إسعاف إلى المستشفى الإقليمي محمد الخامس بعد إصابته بجروح متفاوتة الخطورة، حيث منحت له شهادة طبية حددت مدة العجز في 24 يوما.

الاعتداء لم يكن وليد لحظة غضب، بل نتيجة مباشرة لرفض المهني الانصياع لعمليات الابتزاز التي يمارسها هؤلاء الوسطاء، الذين يفرضون على أصحاب الحافلات مبالغ مالية بطرق غير قانونية تحت ذريعة “تنظيم العمل داخل المحطة”، المثير أن المعتدين الثلاثة سبق أن مثلوا أمام وكيل الملك في قضايا تتعلق بالوساطة غير القانونية والابتزاز، غير أن عودتهم لممارسة النشاط نفسه أمام أنظار الجميع تطرح أكثر من سؤال حول غياب الردع وتراخي المراقبة داخل هذا المرفق العمومي.

وتفيد المعطيات المتوفرة أن أحد المعتدين هو ابن وسيط معروف يختبئ تحت غطاء عضوية داخل هيئة مهنية للنقل الطرقي، رغم أنه لا يملك أي حافلة ولا يتوفر على رخصة تخوله الانخراط في القطاع. هذه المفارقة تكشف ثغرة خطيرة في آليات الاعتراف بالهيئات المهنية التي تمنح أحيانا دون تدقيق، مما يسمح لأشخاص لا علاقة لهم بالمهنة بالاختباء خلف يافطة “التمثيلية المهنية” لممارسة أنشطة غير قانونية.

الواقعة أعادت إلى الواجهة النقاش حول واقع الهيئات المهنية للنقل الطرقي، إذ بات من اللازم إعادة النظر في الوصلات الإشهادية التي تمنحها السلطات المحلية لهذه الهيئات، والتأكد من أن كل عضو داخلها يمارس فعليا النشاط الذي ينتمي إليه، على اعتبار استمرار وجود أشخاص بلا صفة قانونية ضمن هياكل تمثيلية يشجع على الفوضى ويضعف مصداقية القطاع برمته.

الحادث لم يكن استثناء، بل حلقة ضمن سلسلة من التجاوزات التي تعرفها المحطة الطرقية بمكناس منذ مدة. فهذه الأخيرة تحولت، وفق تصريحات مهنيين، إلى وكر لمجموعة من الوسطاء وذوي السوابق العدلية الذين يتحكمون في مداخل ومخارج الحافلات، ويفرضون إتاوات على السائقين والمرتفقين في غياب تدخل حازم من الجهات المختصة. بل إن هؤلاء أصبحوا يفرضون “قانونهم الخاص”، يتحكمون في مسارات الركاب، ويتقاضون عمولات مقابل توجيه المسافرين نحو حافلات معينة، ما حول المحطة إلى فضاء للفوضى بدل أن تكون فضاء للخدمة العمومية المنظمة.

الخطر لم يعد مقتصرا على المهنيين وحدهم، بل أصبح يهدد حتى المرتفقين الذين باتوا عرضة للمضايقات اليومية ولأساليب الابتزاز العلني، في ظل تراجع دور المراقبة الأمنية والإدارية. إن تحويل المحطة الطرقية إلى مجال للفوضى والعنف لا يمس فقط بصورة قطاع النقل، بل يضرب في عمق الإحساس بالأمن لدى المواطنين الذين يفترض أن يجدوا في المحطة مكانا آمنًا ومحترما للتنقل.

اليوم، يطالب العاملون في قطاع النقل بفتح تحقيق عاجل في ملابسات الحادث، ومحاسبة المتورطين في الاعتداء، مع الدعوة إلى مراجعة تركيبة الهيئات المهنية والتأكد من قانونية أعضائها. كما يلحون على ضرورة تدخل السلطات المحلية والأمنية لإعادة النظام إلى هذا المرفق الحيوي الذي يمثل واجهة المدينة.

ما حدث بمكناس ليس مجرد شجار عابر، بل مؤشر على خلل بنيوي في تدبير قطاع النقل الطرقي وعلى ضعف الرقابة داخل المحطة الطرقية التي تحولت إلى بؤرة فوضى منظمة. وبالتالي السكوت عن هذه التجاوزات يعني القبول باستمرار واقع الابتزاز والعنف، ما يهدد السلم المهني والأمن الاجتماعي على حد سواء. لإن حماية المهنيين والمواطنين تقتضي تفعيل القانون بحزم وتطهير الهيئات المهنية من الدخلاء، ووضع حد لهيمنة الوسطاء الذين حولوا المحطة الطرقية من فضاء للنقل العمومي إلى ساحة للابتزاز والممارسات الخارجة عن القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *