فؤاد السعدي يكتب: وهبي وأخنوش والشارع الغاضب.. من ينصت لمن؟


تعيش الساحة السياسية المغربية في هذه الأيام على إيقاع احتقان غير مسبوق، فمع اتساع رقعة الاحتجاجات الشبابية وتصاعد غضب الشارع، اختارت بعض الأصوات الحكومية أن تواجه هذا الغضب بخطاب لا يخلو من نفس الاستفزاز، بدل أن تنفتح على لغة الحوار والتواصل، وكأنها لم تدرك بعد أن الزمن السياسي تغير، وأن المغاربة صاروا اليوم أكثر وعيا وإلحاحا في المطالبة بالمساءلة والمحاسبة، وأن خطاب الوصاية أو التعالي لم يعد مقبولا بتاتا. ففي لحظة دقيقة كهذه، حيث تتطلب المسؤولية قدرا عاليا من التبصر وضبط النفس، يصر للأسف عدد من أعضاء الحكومة على استعمال عبارات تغذي التوثر بدل أن تطفئه، وتزيد من حدة المسافة بين السلطة والمجتمع.
تأتي هذه الملاحظات في سياق سلسلة من التصريحات الصادرة عن عدد من المقربين من رئيس الحكومة عزيز أخنوش، من وزراء وبرلمانيين ووجوه حزبية، ممن خرجوا للدفاع عنه بشراسة غير معهودة، معتبرين أن أي انتقاد يطاله هو بمثابة هجوم شخصي عليهم، غير مبالين أن هذا الدفاع المفرط كشف عن نفس انفعالي أكثر منه موقفا سياسيا متزنا، خصوصا وأن التصريحات حملت في طياتها نبرة غرور سياسي افتقدت للحس باللحظة، ولعل ما زاد من حدة الصورة هو أن بعض التصريحات التي صيغت بعناوين تشيد بالزعيم وتشكك في نوايا المنتقدين، تتهمهم بتضليل الرأي العام. وهكذا، بدل أن يسمع المغاربة خطابا يشرح السياسات الحكومية ويدافع عنها بالحجج، سمعوا نغمة متعالية تكرس المسافة بين الحكومة والشارع، في لحظة كان فيها الوطن في أمس الحاجة إلى خطاب تهدئة لا إلى مزيد من التصعيد.
هذا الخطاب لا يمكن فهمه إلا في سياق ذهنية تكرس الولاء للأشخاص بدل الولاء للمؤسسات، فعندما يعتبر بعض الوزراء أن الدفاع عن رئيس الحكومة واجب سياسي، فهم في الواقع يرسخون صورة سلطة ترى في الزعيم مرجعا أعلى لا يسأل ولا يحاسب. وأن التذرع بالمبررات والتباهي بإنجازات لا تلمس في حياة الناس اليومية لم يعد يقنع أحدا، بل أصبح سببا إضافيا في تأجيج الغضب الشعبي، وأن الشارع اليوم لا يطلب دروسا في الواقعية، بل يريد من يملك شجاعة الإصغاء، لأن الإصغاء في زمن الأزمات هو أول درجات الإصلاح.
وفي خضم هذا المشهد الملبد، جاء تصريح وزير العدل عبد اللطيف وهبي ليزيد من تعقيد الصورة، حين قال إن “إسقاط الحكومة لا يتم عبر الشارع وإنما عبر المؤسسات الدستورية”. وحتى وإن بدا التصريح في ظاهره دعوة لاحترام الدستور، إلا أنه في جوهره يحمل رسالة أعمق من مجرد تأكيد قانوني؛ حيث ظهر الوزير وكأنه يخاطب الدولة أكثر مما يخاطب الشارع، من خلال التلويح بأن الحكومة محصنة حتى أمام أي إرادة للإصلاح من داخل منظومة الحكم.
غير أن خطورة التصريح تتجاوز النقاش القانوني البسيط، لتلامس رموز السيادة، خصوصا حين يوحي، ولو ضمنيا، بأن يد جلالة الملك مقيدة في التعامل مع الأزمة، وهو ما يعد تجاوزا خطيرا للثوابت الدستورية ومساسا بمكانة المؤسسة الملكية. وبالتالي حين يلمح وزير للعدل، في موقعه الحساس، إلى أن إسقاط الحكومة محكوم بقيود لا يملك الملك نفسه تجاوزها، فإن ذلك يفهم على أنه تطاول سياسي غير محسوب على صلاحيات جلالته وضامن توازن السلطات. الأخطر أن التصريح، بصيغته الحالية، يحمل شحنة تحريضية غير مباشرة، خصوصا وأنه يوحي بأن الدستور لا يقدم حلولا واقعية لتغيير الحكومة، وهو ما قد يتم تفسيره لدى شباب “جيل زد” المحتجين كدعوة لمواصلة التظاهر في الشارع.
وحين يلجأ وزير في موقع حساس إلى خطاب التحصين الدستوري بهذه الصيغة، فإن ذلك يعكس عمق الأزمة داخل الجهاز التنفيذي، لأن منطق الحكمة كان يقتضي الاعتراف بوجود أزمة ثقة بدل التلويح بحدود النصوص، وأن المغاربة لا يحتجون على الدستور، بل على سوء تنزيله وتوظيفه السياسي، وأما الحكومة، بتصريحاتها المستفزة، فتضع نفسها في موقع الخصم لا في موقع المحاور، وهو ما يزيد من هشاشة الوضع العام ويعمق الفجوة بينها وبين الشارع الغاضب.
إن ما يزيد من خطورة المشهد اليوم هو أن الحكومة تبدو وكأنها فقدت بوصلتها في قراءة التحولات الاجتماعية، خصوصا وأنها تتعامل مع الأزمة وكأنها سحابة صيف ستنقشع بمرور الوقت، في حين أن الواقع أعمق من ذلك بكثير، على اعتبار أن المواطنون لم يعودوا يتفاعلون مع الخطابات المطمئنة بقدر ما ينتظرون إجراءات ملموسة تعيد الثقة بينهم وبين المؤسسات، وبالتالي فالإصرار على تجاهل رسائل الشارع يعكس غياب الحس السياسي وضعف القدرة على الإصغاء إلى نبض المجتمع. وحين تفقد السلطة قدرتها على الإصغاء، تفقد تدريجيا شرعية تمثيلها، لأن الشرعية الحقيقية لا تستمد من النصوص ولا من الشعارات، بل من وعي لحظة التاريخ ومن شجاعة الاعتراف بأن المجتمع تغير ولم يعد كما كان.
لقد آن للحكومة أن تدرك أن إدارة الأزمات لا تكون بالصوت المرتفع ولا بالاستقواء بالمناصب، بل بالقدرة على الإصغاء والتراجع حين تقتضي المصلحة الوطنية ذلك. فالدولة القوية ليست تلك التي تكمم الغضب، بل التي تحوله إلى طاقة إصلاح، بمعنى أن كل محاولة للهروب إلى الأمام بخطاب القوة لا تعني إلا ضعفا في إدراك حجم الخطر المحدق بالثقة العامة، وأن اللحظة السياسية التي يعيشها المغرب اليوم تتطلب حكمة استثنائية تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن على أساس الاحترام المتبادل لا الهيمنة. فحين تفقد الحكومة تواضعها أمام الناس، تفقد شيئا من شرعيتها، على اعتبار أن الشرعية لا تفرض بالقانون، بل تبنى بالفعل، بالصدق، وبالقدرة على الاعتراف بأن الوطن أكبر من كل المناصب والوجوه، وأن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على الصمود أمام الغضب، بل بقدرتها على الإصغاء إليه قبل أن يتحول إلى قطيعة.