فؤاد السعدي يكتب: الاحتجاجات الشبابية.. صراخ جيل ورهان الدولة


اندلعت في مدن مغربية عدة احتجاجات شبابية عفوية، قادها جيل جديد لم يعد يقبل أن يكون مجرد رقم في تقارير رسمية، أو صورة في واجهات إعلامية، أو جوقة تصفيق في مهرجانات احتفالية. ثلاثة أيام من الغليان الشعبي، وما زال صمت الحكومة هو العنوان الأكبر. لم نسمع موقفاً من رئيسها ولا من الناطق الرسمي باسمها، وكأن ما يحدث لا يدخل في جدول أعمال الدولة، وكأن مطالب آلاف الشباب ليست سوى ضجيج عابر. في المقابل، كانت منصات التواصل الاجتماعي تعج بالصور والفيديوهات والأخبار، بعضها صحيح وبعضها مفبرك، لكن كلها مشحونة بغضب جيل يسأل سؤالاً واحداً: أين اختفى المسؤولون؟
الحقيقة أن هذه الاحتجاجات لم تسقط من السماء، ولم تنفجر فجأة من فراغ. هي نتيجة سنوات من التراكمات والخيبات، من وعود مؤجلة، ومن مشاريع عملاقة لم يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية. المدارس ما زالت تعاني من ضعف البنية والمناهج، المستشفيات صارت عنواناً لليأس بدل الاطمئنان، سوق العمل مغلق في وجه الخريجين، والأسعار تنهش القدرة الشرائية، بينما يظل الفساد مستعصياً على المحاسبة، وتظل الأحزاب السياسية غائبة عن دور الوساطة والحوار. لذلك فإن الشارع لم يكن سوى الفضاء الأخير المتبقي للتعبير عن هذا الانسداد.
جيل Z الذي خرج إلى الشارع لا يبحث عن بطولة مؤقتة، ولا يسعى إلى الفوضى كما يحاول البعض تصويره. هو جيل يرفض أن يُختزل في منصات إلكترونية أو يُستعمل كأداة انتخابية موسمية. هو جيل وعيه السياسي والاجتماعي فاق بكثير ما تتصوره النخبة الحاكمة. يعرف ماذا يريد: مدرسة عادلة، تعليم مجاني ذي جودة، مستشفى يليق بكرامة الإنسان، شغل كريم يفتح أبواب المستقبل، قضاء مستقل لا يخضع للهاتف، وحكامة تحارب الفساد بدل مكافأته. يطالب بوقف مسلسل تسليع التعليم والصحة، وبمراجعة السياسات التي تحاول تقويض مكتسبات اجتماعية مثل التأمين الصحي للطلبة. يطالب بتحويل الإنفاق العمومي من المظاهر والاحتفالات إلى الجوهر الذي يمس حياة الناس.
ما يطالب به هؤلاء الشباب ليس نزقاً عاطفياً ولا شعارات حالمة، بل مرتكزاته واقعية وممكنة. ومن يظن أن هذه المطالب مبالغ فيها يكفيه أن يزور أقرب مستشفى عمومي، أو أن يجلس في قسم مكتظ، أو أن يسأل آلاف العاطلين من حاملي الشهادات، ليدرك أن الأزمة بنيوية وليست طارئة. ومع ذلك، اختارت الحكومة الصمت، وتركت قوات الأمن في الواجهة. وهنا تكمن خطورة اللحظة: حينما تصبح العصا لغة الدولة الوحيدة، وحينما يختزل الحوار في إجراءات أمنية، فإن الهوة بين الحاكم والمحكوم تتسع، والثقة التي هي أساس أي عقد اجتماعي تتآكل. الأمن قد يوقف مظاهرة، لكنه لا يوقف الأسئلة. قد يفرق الحشود، لكنه لا يلغي جذور الأزمة.
لقد صار واضحاً أن بلادنا تعيش أزمة ثقة قبل أن تعيش أزمة معيش. فالمواطن لم يعد يصدق خطاب الإنجازات، لأنه لا يلمسها في يومياته. يرى الأموال تُصرف على البهرجة، بينما الخدمات الأساسية مهملة. يرى الانتخابات تمرّ في أجواء من الشك وشراء الأصوات، فيفقد ثقته في المؤسسات المنتخبة. يرى الصحفيين والناشطين يُتابَعون بسبب آرائهم، فيشعر بأن حرية التعبير ليست حقاً مضمونا. ويرى شباباً مثله يهاجرون عبر البحر بحثاً عن فرصة للحياة، فيدرك أن الوطن الذي لا يوفر الكرامة يدفع أبناءه دفعاً إلى الرحيل.
إن أخطر ما في الأمر أن هذا الصمت الرسمي يفتح الباب أمام الفوضى الإعلامية. في غياب المعلومة الموثوقة، تنتشر الأخبار الزائفة بسرعة، ويصير الواقع مزيجاً من الحقائق والشائعات. الدولة التي لا تتواصل مع مواطنيها، تترك غيرها يتحدث باسمها، وتفقد قدرتها على التحكم في الرواية العامة. وهذه خسارة فادحة، لأن المعركة اليوم ليست فقط في الشارع، بل أيضاً في فضاء الرقمنة، حيث يتشكل الرأي العام ويتحدد مزاج الأجيال الجديدة.
لكن ما زال هناك وقت للتدارك، وما زال بالإمكان تحويل هذه الأزمة إلى فرصة إصلاح. ذلك يتطلب أولاً الاعتراف بأن المشكل سياسي واجتماعي بالأساس، وليس أمنياً. يتطلب فتح قنوات الحوار مع الشباب والاستماع إلى مطالبهم بجدية، بدل تجاهلهم أو تخويفهم. يتطلب إطلاق مبادرات عاجلة لبناء الثقة، تبدأ بإطلاق سراح المعتقلين على خلفية التعبير، ووقف المتابعات التي تستهدف الصحافة والفاعلين المدنيين. يتطلب إعلاناً واضحاً من الحكومة حول أولوياتها، يضع التعليم والصحة والشغل في صدارة السياسات، ويُرفق ذلك ببرامج واقعية قابلة للتنفيذ والقياس.
كما يتطلب الأمر إصلاحاً أعمق على المدى الطويل: إعادة الاعتبار للمؤسسات التمثيلية عبر انتخابات نزيهة وشفافة، إصلاح القضاء ليكون حامياً للحقوق لا أداة للنفوذ، تقوية مؤسسات الرقابة لمحاربة الفساد، وتبني نموذج تنموي يضع الإنسان في قلبه لا في هامشه. فالدولة القوية ليست التي ترفع الصوت في وجه مواطنيها، بل التي ترفع مواطنيها إلى مستوى الكفاية والكرامة والحرية.
إنني أوجه كلامي إلى عقلاء هذا الوطن: الاستقرار لا يُبنى على الخوف، بل على الثقة. والشباب ليس عبئاً ينبغي تدجينه، بل رأس المال الاجتماعي والمعرفي الأهم في أي مشروع وطني. كل شاب يجد تعليماً جيداً وصحة وعملًا كريمًا هو صمام أمان ضد التطرف واليأس والهجرة. وكل سياسة تقمع صوته أو تتجاهل مطالبه لا تنتج إلا مزيداً من الغضب والانفجار.
لقد قال جيل Z كلمته: نريد وطناً يحترم الإنسان قبل الصورة، الجوهر قبل الواجهة، الحوار قبل العصا. والكرة الآن في ملعب الدولة، في ملعب النخبة، وفي ملعب كل من يملك ذرة من الحكمة. قد يتأخر الإصلاح، لكن لا شيء يوقف التاريخ. وأصوات الشباب التي ترتفع اليوم لن تخبو، بل ستعود أقوى، ما لم تجد آذاناً صاغية وعقولا رشيدة. إن الوطن لا يبنى بالشعارات ولا بالصور المبهرة، بل بالصدق مع الناس، والجرأة على الاعتراف بالأخطاء، والشجاعة في تصحيح المسار. ذلك هو الطريق الوحيد الذي يعيد الثقة، ويضمن لهذا البلد أن يظل بيتاً مشتركاً يتسع للجميع.