أزمة “البام” بمكناس.. ضعف الأمانة الإقليمية يهدد مستقبل الحزب

مكناس – أطفأت القيادة المركزية لحزب الأصالة والمعاصرة فتيل الأزمة الأخيرة التي تفجرت بمكناس، بعدما سمحت لشباب المدينة بالمشاركة في المؤتمر العام، منهية بذلك جدلا واسعا أثارته الأمانة الإقليمية عقب محاولتها إقصاء عدد من المنخرطين، هذه الخطوة، التي اعتبرت بمثابة “انتصار لصوت العقل”، لم تكن سوى إجراء إسعافي عابر يخفي وراءه أزمة أعمق يعيشها الحزب بالإقليم، عنوانها الأبرز، ضعف الأمانة الإقليمية وعجزها عن تدبير الشأن التنظيمي.

فالأحداث الأخيرة بلا شك عرت واقعا متأزما لا يمكن إنكاره وهو أن الحزب بمكناس لم يعد محصنا كما كان في السابق، بل أضحى عرضة لمحاولات اختراق مكشوفة من قبل خصومه السياسيين. وتؤكد تقارير من داخل التنظيم أن التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال يسعيان، كل بطريقته، إلى زرع أسماء موالية لهما داخل هياكل “البام”، بهدف التأثير في عملية التزكيات المرتقبة خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، هذا السيناريو لم يكن ليأخذ زخما لولا هشاشة القرار التنظيمي محليا، وتراجع الأمانة الإقليمية عن ممارسة دورها الطبيعي في التحصين والتأطير.

ولعل ما زاد الطين بلة رحيل القيادي جواد الشامي، الذي كان يعتبر صمام أمان للحزب ورجل توازناته داخل الإقليم، حيث ترك غيابه فراغا كبيرا لم تستطع القيادة الحالية ملأه، بل العكس من ذلك هو ما حصل حيث حول أداءها المتذبذب الحزب إلى ما يشبه “مقاطعة حزبية” مفتوحة أمام كل أنواع التأثير الخارجي، وهكذا، بدل أن يكون “البام” بمكناس فضاء للعمل السياسي الجاد، أصبح يتهم بأنه مجرد أداة في يد خصومه الذين يحاولون إعادة هندسة المشهد الانتخابي على مقاسهم.

والأخطر أن هذا الضعف لا يظل حبيس الكواليس التنظيمية فقط، بل يهدد مباشرة المستقبل الانتخابي للحزب، وبالتالي فالمقعد النيابي الذي دافع عنه المرحوم الشامي طويلا، والذي يعتبر رمزية سياسية بالإقليم، مهدد اليوم بالضياع، في ظل غياب رؤية واضحة واستمرار الأمانة الإقليمية في إدارة الحزب بمنطق “الترقيع”، والأمين الجهوي، الذي تعامل بحكمة مع أزمة الشباب، يدرك جيدا أن استمرار الوضع بهذا الشكل لا يعني سوى خسارة مؤكدة، وأن الإنقاذ لن يتم إلا عبر تغيير جذري في طريقة التدبير.

في المقابل، يتحرك خصوم “البام” بخطوات محسوبة ومدروسة. فالتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال يسعيان إلى بسط نفوذهما داخل الأصالة والمعاصرة محليا، من خلال الدفع بوجوه موالية لهما للسيطرة على قراراته التنظيمية، كل هذا من أجل موازنة المشهد الانتخابي بمكناس، وقطع الطريق على الاتحاد الدستوري الذي يقود المجلس الجماعي حاليا ويحدث دينامية تنموية لافتة تعزز من رصيده السياسي.

كل هذه المعطيات تضع القيادة المركزية أمام مسؤولية تاريخية، فإما أن تباشر إصلاحا حقيقيا يبدأ من إعادة هيكلة الأمانة الإقليمية وتعيين بروفايل قوي قادر على استعادة ثقة القواعد وحماية استقلالية القرار، وإما أن تترك الحزب يواصل انحداره إلى الخلف، رهينة في أيدي جهات خارجية ومزاجيات محلية لا ترى أبعد من مصالحها الضيقة.

وفي انتظار هذا الحسم، يظل السؤال المطروح بإلحاح هو هل ستملك القيادة المركزية الجرأة لاتخاذ قرارات جريئة تعيد “البام” إلى الواجهة بمكناس، أم أن الحزب سيكتفي بدور المتفرج، إلى أن يجد نفسه خارج معادلة سياسية تزداد تنافسا وحدة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *