الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تحذر من تصاعد الهجوم على الحقوق وتطالب بإصلاحات عاجلة

مرة أخرى، ترفع الكونفدرالية الديمقراطية للشغل صوتها محذرة من خطورة المنحى الذي تسلكه السياسات الحكومية، وهي تحذيرات لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الواقع المعيشي المتأزم، وتدهور الخدمات العمومية الذي يلمسه المواطن يوميا في صحته وتعليمه وحياته اليومية.
البيان الأخير للنقابة ليس مجرد تعبير عن غضب ظرفي، بل هو انعكاس لحالة من الاحتقان الاجتماعي تتسع يوما بعد يوم، فالقمع الذي طال احتجاجات سلمية في عدد من المدن يكشف هشاشة المقاربة الأمنية التي تعتمد بدل الإصغاء إلى مطالب مشروعة. فحين تتحول الوقفات المطالبة بتحسين الخدمات الصحية إلى ساحة للمواجهات، فإن ذلك يطرح سؤالا عريضا حول مدى احترام الدولة لحق المواطنين الدستوري في التعبير السلمي.
كما أن تأخر الحكومة في دعوة جولة الحوار الاجتماعي لشهر شتنبر يعكس استخفافا بآلية أساسية لتدبير التوترات الاجتماعية. فالحوار، إن لم يكن جديا ومسؤولا، يتحول إلى مجرد واجهة لتأجيل الأزمات. والملفات المعلقة منذ سنوات، مثل إصلاح الأنظمة الأساسية أو مراجعة الأجور، أصبحت قنابل موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي.
الأكثر إثارة للجدل هو القانون التنظيمي للإضراب، الذي وصفته النقابة بـ”القانون التكبيلي”. فبينما يفترض أن يشكل الإطار القانوني ضمانة لحق دستوري، تتحول صياغته الحالية إلى أداة تقييد، في تناقض واضح مع المواثيق الدولية، وبالتالي فالرهان على المنع بدل التفاوض لن يؤدي إلا إلى تأجيج الاحتجاجات وإضعاف الثقة في المؤسسات.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فموجة التسريحات الفردية والجماعية والتضييق الممنهج على الحريات النقابية تعكس مناخا عاما يراد فيه تحجيم دور النقابات، وحتى القضاء لم يسلم من التوظيف في هذا الصراع، كما تؤكد حالات ربابنة الطيران، ما يطرح تساؤلات عميقة حول استقلاليته حين يتعلق الأمر بالحقوق الاجتماعية.
في العمق، ما تدعو إليه الكونفدرالية ليس ترفا سياسيا، بل هو الحد الأدنى لبناء عقد اجتماعي جديد، احترام مدونة الشغل، التصريح بالأجراء لدى الضمان الاجتماعي، تخفيف العبء الضريبي على الفئات المتوسطة والفقيرة، وضمان الحق في العمل اللائق.
غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحا هو هل تملك الحكومة الإرادة السياسية للتجاوب مع هذه المطالب، أم أنها ستواصل سياسة الانتظار والتأجيل، رهانا على تعب الشارع؟ في كل الأحوال، التاريخ القريب يظهر أن الاحتقان إذا ترك بلا حلول جذرية، فإنه ينفجر بأشكال يصعب التحكم فيها.