الجواهري يودع بنك المغرب بعد عقدين من الزمن.. فمن سيحمل المشعل؟

يقترب عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، من إسدال الستار على مسار استثنائي دام أكثر من عقدين على رأس المؤسسة النقدية الأولى في البلاد، بعد أن لمح في ندوة صحفية أعقبت الاجتماع الفصلي للبنك إلى احتمال مغادرته منصبه مع نهاية ولاية المجلس الحالي متم دجنبر المقبل.

ففي سن الـ86، بدا الجواهري حاسما وهو يصرح بأن القرار النهائي بيد الملك الذي يملك صلاحية تعيين من يشاء وإعادة تشكيل مجلس البنك، لكنه شدد في المقابل على ما يعتبره الأهم وهو أن يكون قد أدى واجبه الوطني بإخلاص، وخدم الاقتصاد المغربي بقدر ما استطاع. ورفض الرجل، الذي عرف بانضباطه وحزمه، فكرة تدوين مذكراته، مفضلا أن يترك عمله شاهدا على تجربته.

وتمكن الجواهري خلال مساره الطويل، من ترسيخ مكانة بنك المغرب كفاعل محوري في الاستقرار النقدي، حيث قاد أوراشا صعبة مثل تحرير سعر الدرهم تدريجيا، والتحكم في التضخم، وضمان صلابة النظام البنكي أمام الأزمات العالمية، خصوصا الأزمة المالية لـ2008 وجائحة كورونا، كما نجح في تعزيز صورة البنك كجهاز مستقل عن السلطة التنفيذية، في بلد تطرح فيه باستمرار إشكالية استقلالية المؤسسات.

لكن مغادرته تفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة وهي من سيخلف الرجل القوي لبنك المغرب؟ وكيف يمكن الحفاظ على الاستقرار النقدي في سياق دولي مضطرب، يتسم بتقلبات أسعار الطاقة والمواد الأولية، وضغوط التضخم، وتحديات جذب الاستثمار؟

المهمة لن تكون سهلة لمن سيعيّن خلفا له، فهناك أوراش ما تزال مفتوحة، أبرزها تقليص حجم المعاملات النقدية “الكاش” التي تعد تحديا هيكليا أمام تحديث الاقتصاد، وتوسيع الشمول المالي ليشمل ملايين المغاربة الذين ما زالوا خارج المنظومة البنكية، إضافة إلى مرافقة التحول الرقمي في الخدمات المالية، والتعامل مع رهانات الانتقال الطاقي وتمويل التنمية المستدامة.

رحيل الجواهري، إن تحقق، لن يكون مجرد تغيير على رأس مؤسسة نقدية، بل محطة فاصلة ستظهر قدرة المغرب على ضمان استمرارية الاستقلالية النقدية وترسيخ الثقة في مؤسساته، في وقت تعيش فيه اقتصادات ناشئة كثيرة على وقع الارتباك وتدخل السياسة في القرارات المالية.

وإذا كان الرجل قد رفض كتابة مذكراته، فإن “مذكراته الحقيقية” محفورة في مسار اقتصاد بلد حاول أن يجد توازنه بين الإصلاحات الهيكلية والانفتاح على العولمة، تحت أعين حارس يقظ اسمه عبد اللطيف الجواهري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *