مايسة وبنعبد الله.. من لعنة الديناصورات إلى حضنها الدافئ

تعيش السياسة بالمغرب أزمة ثقة عميقة، وهذه الأزمة لا تأتي من فراغ، بل من مشاهد متكررة تكشف حجم التناقض والعبث، ولعل آخر هذه المشاهد ما وقع مع مايسة سلامة الناجي، التي أبدت رغبتها في الترشح باسم حزب التقدم والاشتراكية، الحزب نفسه الذي سبق أن اتهمت قيادته قبل سنوات بكونها رمزا للجمود السياسي وسببا مباشراذ ق في عزوف المواطنين عن الانتخابات.
المفارقة هنا صارخة وهي أن مايسة التي رفعت في السابق شعار القطيعة مع الوجوه القديمة وهاجمت نبيل بنعبد الله بعنف، عادت اليوم لتعلن أن توجهات الحزب ومبادئه الأقرب إلى قناعاتها. هذا التحول السريع لا يجد تفسيره في مراجعة فكرية عميقة أو تحول إيديولوجي صادق، بقدر ما يبدو تعبيرا عن رغبة في استثمار منصة حزبية لولوج البرلمان.
الحزب من جهته لم يتردد في استقبال من كانت خصما بالأمس، واحتفى بخطوة انضمامها واعتبرها قيمة مضافة، وهو بذلك يبعث رسالة واضحة وهي، لا يهم ما قيل في الماضي، ولا تهم المواقف السابقة، المهم هو ما يمكن أن يضيفه أي اسم من شعبية أو قدرة على جلب الأصوات. بهذا السلوك يختصر الحزب السياسة في حسابات انتخابية ضيقة، ويضحي بما تبقى من مصداقيته أمام الرأي العام.
حين يشاهد المواطن هذه التناقضات، تتكرس لديه القناعة بأن السياسة ليست التزاما ولا مشروعا جماعيا، بل مجرد تبادل أدوار ومصالح شخصية. وكيف له أن يثق في عملية انتخابية تمثل فيها الوجوه القديمة الحزب نفسه الذي يدعي التجديد، وتنضم إليها أسماء كانت بالأمس القريب تهاجمها بشراسة؟ هذا المشهد لا يزيد إلا في توسيع هوة العزوف، لأنه يبرهن مرة أخرى أن الخطاب السياسي قابل للتبديل في أي لحظة، وأن الشعارات المرفوعة لا قيمة لها عند أول اختبار.
إن ما حدث مع مايسة وحزب التقدم والاشتراكية ليس حادثا معزولا، بل نموذجا مكثفا لخلل أعمق يعيشه المشهد السياسي، وكيف تلهث الأحزاب وراء الأصوات، وكيف ينتقل المرشحون بين المواقف بسهولة، وكيف يفقد المواطن يوما بعد يوم الثقة في جدوى المشاركة. بهذا الشكل، تصبح السياسة عبئا على نفسها، وتتحول إلى مسرحية متكررة تنفر الناس أكثر مما تقنعهم.