فؤاد السعدي يكتب.. مكناس بين عبث التدبير وقاعدة “الديب حلال ديب حرام”

قلناها بالأمس ونكررها اليوم أن ما أثير حول ما سمي بملف دار السمن لم يكن سوى زوبعة في فنجان وحملة مسعورة هدفها التشويش على العمل الجاد الذي يقوده رئيس جماعة مكناس. أما من تصدر هذه الحملة فيعرف أكثر من غيره أن التاريخ لا يمحى، وأن الذاكرة المكناسية لا تباع ولا تشترى، وأن من يوزع اليوم صكوك النزاهة والطهر السياسي كان بالأمس شريكا أساسيا في منظومة راكمت خروقات عمرانية ما زالت تشهد عليها جدران المدينة وأزقتها.

ففي قلب مكناس، وبمحاذاة سور علوي المطل على ساحة للاعودة، جرى تحويل بناية تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من معلم تاريخي إلى قاعة للضيافة والحفلات ومقهى بموجب ترخيص إصلاح لا أكثر. وهكذا ببساطة تغيرت معالم أثر تاريخي داخل منطقة ارتفاق يمنع فيها البناء أصلا. كل هذا حصل بين 2016 و2023، ومع ذلك لم تتحرك السلطة، ولم ترتفع أصوات غاضبة للتنديد بهذه المذبحة التعميرية لتفعيل القانون وإعادة الأمور إلى نصابها، كما تفعل اليوم مع محلات دار السمن. ولم تتحرك حتى آلة الضجيج والصراخ لتطالب بفتح تحقيق في الواقعة. فما الفرق إذن بين الأمس واليوم؟ أليس لأن عباس الومغاري لم يكن وقتها رئيسا للجماعة؟

مثال آخر أكثر فظاعة، لكن هذه المرة على النفوذ الترابي لجماعة المشور الستينية، حيث ارتفع بنيان مطعم حتى علا على سور ضريح المولى إسماعيل، فحجب القبة وحول المكان إلى بؤرة ضوضاء لا تراعي حرمة الموتى ولا المقابر. ومع ذلك لم يتحرك أحد، لم نسمع ضجة ولم نشهد تحريك أي مسطرة في الموضوع رغم أن أشغال البناء تمت من دون أي رخصة. فماذا يعني هذا؟ أليس هذا خرقا أفدح؟ أم أن القاعدة دائما تكيل بمكيالين؟ أم هي قاعدة “الذيب حلال، ذيب حرام”؟

أما الفضيحة التي حطمت كل الأرقام فهي تلك المحلات التجارية القابعة جوار سور قبة السفراء (المركب التجاري زين العابدين)، والتي تم بناؤها في عهد العدالة والتنمية بين 2002 و2007، رغم اعتراض وزارة الثقافة ورفضها البناء في تلك المنطقة على اعتبار أنها منطقة ارتفاق من جهة، ولأن المكان مصنف تراثا عالميا من جهة أخرى. ومع ذلك مضى المشروع قدما بذريعة تعويض تجار دار السمن والروامزين مقابل إخلائهم لمحلاتهم. لكن لا التعويض تم ولا الإخلاء جرى، وبقيت الأمور معلقة إلى اليوم دون حساب ولا متابعة. ومع ذلك يصعد اليوم أحد أبناء هذا الحزب نفسه ليطالب بتدخل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في قضية دار السمن. أليس هذا استغباء للرأي العام المكناسي وضحكا على الذقون؟

أما الفضيحة الأكبر فهي في تصرف السلطة في الملف، والذي لا يقل عبثية. فهل من المنطق أن تهدم محلات لأن صورة على فيسبوك أثارت ضجة، أو لأن مقالا عابرا انتشر هنا وهناك؟ هل بلغ الأمر أن تصبح مؤسسات الدولة أسيرة لتدوينات مجموعة من “الحياحة”؟ دولة الحق والقانون لا تدار بانفعالات ولا بارتباك اللحظة ولا بردود فعل هستيرية، بل برؤية ومؤسسات وقرارات مبنية على قناعة قانونية. وما وقع بمكناس لم يكن إلا اندفاعا أعمى كشف هشاشة في التدبير وخوفا غير مبرر لم يخدم سوى خصوم اعتادوا الاصطياد في الماء العكر.

ولأن الرسائل يجب أن تكون واضحة، نوجه كلمة إلى “نكافة مكناس” وإلى كل من اختار أن يلعب دور البوق الافتراضي لحملات فايسبوكية تقودها ثلة قليلة من المرتزقة التي تحركها بعض الوجوه السياسية المنبوذة. نقول لهم، ارتقوا قليلا بدل أن تظلوا أسرى القاع. أما السلطات المحلية فعليها أن تفهم أن الانجرار وراء ضجة فارغة يفضح ضعفها أكثر مما يعكس قوتها؛ فالتدخلات في قضايا عمرانية بهذا الحجم لا تبنى على نزق ولا على رد فعل عابر، بل على القانون والرزانة.

أما خصوم الرئيس الحالي فنقول لهم، ارتاحوا، فسننسب له كل خروقات التعمير منذ الاستقلال وحتى اليوم، بل وحتى قبل أن يولد، إذا كان ذلك يمنحكم بعض الطمأنينة والراحة. نعرف أن حضوره يؤرقكم ويقض مضاجعكم ويفضح عجزكم أمام المكناسيين، فما باليد حيلة؛ فالرجل لا يريد الكف عن خدمة مكناس وساكنتها، فمالسبيل إذن؟

هي كلمة لابد منها وهي أن الذاكرة المكناسية واقع لا يمكن محوه، والوثائق محفوظة لا يجرؤ أحد على إتلافها، خصوصا وأن ما تخفيه من حقائق أكبر بكثير مما تتخيلون. وتأكدوا أن زوبعة دار السمن لن تسقط الومغاري، بل ستسقط آخر أوراق التوت عن خصومه الذين تمرسوا على الاحتماء بالشعارات فيما الواقع يفضحهم كل يوم.

يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *