فؤاد السعدي يكتب: فضيحة مكناس.. هل تقبل النيابة العامة بتحويل المؤسسة الملكية إلى أداة ضغط سياسي؟

لم تعد بعض الصحف اليومية تكتفي بأداء دورها الطبيعي في تنوير الرأي العام، بل تحولت إلى أدوات ابتزاز سياسي تقتات على التضخيم والتهويل، حتى لو كان الثمن هو الزج برمز وطني جامع مثل المؤسسة الملكية في قضايا محلية ضيقة. مناسبة هذا الحديث ما وقع بمدينة مكناس خلال الأيام القليلة الأخيرة، عندما جرى تضخيم رخصة إصلاح عادية وتحويلها إلى “فضيحة” مرتبطة بالإقامة الملكية، وهو ما كشف عن وجود انزلاق خطير لا يمكن السكوت عنه.

في جوهر الملف، لا يتعلق الأمر سوى بتجاوز صريح من طرف صاحب المشروع الذي استغل رخصة إصلاح محددة قانونا وأضاف أجزاء جديدة خارج الضوابط، وقد تدخلت السلطة المحلية في حينه بكل جدية وصرامة، وطبقت ما تنص عليه المساطر القانونية. لكن بدل أن يبقى النقاش في هذا الإطار القانوني الواضح، قفزت بعض الأقلام إلى ربط الموضوع بقرب المشروع من إقامة ملكية، لتتحول القضية إلى ما يشبه “مؤامرة ضد هيبة الدولة”.

الخطير في هذا السلوك ليس فقط تغييب النقاش الحقيقي حول من يتحمل المسؤولية في خرق القانون، بل هو إصرار بعض وسائل الإعلام على اختزال سلطة القانون نفسه في العلاقة بالملكية، وكأن الخروقات لا يتم إدانتها إلا إذا مست رمز الدولة، مع أن أبسط القواعد الديمقراطية تقتضي أن يطبق القانون على الجميع دون الحاجة إلى استدعاء اسم الملك في كل ملف.

ويبقى السؤال المركزي في كل هذا هو، لماذا لم تتحرك النيابة العامة منذ البداية ضد من أقحم المؤسسة الملكية في قضية فارغة عالجتها السلطات المختصة بمساطرها العادية؟ فالمخالفة كانت واضحة، والسلطة المحلية قامت بواجبها، لكن غياب تدخل النيابة العامة ضد الاستغلال الإعلامي والسياسي لهذا الملف سمح بتحويله إلى مسرح للمزايدات. وهنا كان الأجدر أن يطبق القانون بحزم في حق كل من تلاعب بالرموز الوطنية وحولها إلى أداة للضغط والابتزاز، لا أن يترك المجال مفتوحا لهذا العبث الإعلامي الذي يضرب في العمق هيبة الدولة.

الأخطر من ذلك أن بعض الصحف، وهي نفسها مؤسسات تستفيد من دعم الدولة، تخلت عن رسالتها الأصلية في نقل الحقائق للرأي العام، وصارت تشتغل بوضوح وفق أجندات سياسية ضيقة، هذه الصحف التي لا تكل من رفع شعار الاستقلالية في خطها التحريري، نراها في في الواقع تسخر لتصفية الحسابات المحلية والانتخابية. فأي انحراف خطير هذا، وكيف تحول الإعلام الذي يفترض أن يكون سلطة رابعة، إلى إعلام يمارس دور “الميليشيا الدعائية”.

إن تحويل المؤسسة الملكية إلى ورقة ضغط في صراعات تافهة، ليس فقط استغلالا فجا، بل هو أيضا تهديد مباشر لهيبة الدولة. بمعنى أن هذه الممارسات لا تخدم الشفافية ولا تكشف حقيقة الخروقات، بل تكرس ثقافة الابتزاز الرمزي، والمحصلة هي تمييع النقاش العمومي وتضليل الرأي العام، بدل مساءلة المخالف الفعلي وتطبيق القانون عليه كما يجب.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المشهد الإعلامي المغربي إلى وقفة صريحة. وبالتالي فالصحافة التي تتلقى الدعم العمومي مطالبة بالالتزام بأخلاقيات المهنة وبالموضوعية في طرح المواضيع والحياد في تناولها، لا باستغلالها لخدمة مصالح سياسية محدودة. كما أن النيابة العامة مطالبة كذلك بأن تكون حاضرة بقوة لردع كل من يوظف المؤسسة الملكية في صراعات محلية، ولإعادة الاعتبار لمبدأ أساسي وهو أن القانون وحده هو الفيصل في النزاعات، لا الحملات الإعلامية ولا المزايدات السياسية.

كما أن على الجميع أن يعي بأن الدفاع عن هيبة الدولة يبدأ من احترام المؤسسات والقوانين، لا من إقحام صورة الملك في كل صغيرة وكبيرة. وأن إعادة الاعتبار للصحافة تبدأ من عودة هذه المهنة إلى وظيفتها الأصلية عبر البحث عن الحقيقة، لا صناعة العناوين المضللة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *