صفقة صيانة الحدائق والمناطق الخضراء بمكناس تتحول إلى تبذير للمال العام

مكناس _ تعيش اليوم مدينة مكناس صورة فاضحة لاختلالات التدبير لقطاع صيانة الحدائق والمساحات الخضراء، الذي رصد له اعتمادات تناهز الملايين على مدى ثلاث سنوات، إلى مجرد سراب. ونحن على بعد أسابيع قليلة من إتمام الشركة المفوض لها سنتها الأولى، بمبلغ يقارب 3 ملايين و881 ألفا و592 درهما لسنة الواحدة، على اعتبار لا وجود لأي أثر ملموس يبرر هذه النفقات الضخمة، اللهم بعض التحركات الموسمية في نقط محدودة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

ففي جولة بسيطة عبر شوارع مكناس، تتكشف الحقيقة المؤلمة وهي أن أغلب الحدائق والفضاءات الخضراء التي ينص دفتر التحملات على صيانتها بانتظام تحولت إلى أراض يابسة أو مكبات للنفايات، فلا عشب أخضر، ولا أشجار مورقة، ولا ممرات نظيفة، ولا صيانة لأنظمة السقي. في المقابل، لا تخطئ العين مشهد عمال الشركة، على قلتهم، مرابطين بين مدار باب بوعماير وشارع الجيش الملكي في مقطعه المعروف بـ“كابوبلا”، أو في بعض أطراف حديقة الساحة الإدارية. هو حضور انتقائي يوحي بأن الشركة تشتغل وتؤدي التزاماتها، بينما في العمق لا يعدو الأمر أن يكون مجرد ذر للرماد في العيون.

هذا التركيز الغريب على نقط محدودة يثير أسئلة محرجة، لماذا هذا الانتقاء؟ ولماذا يتم إغفال عشرات المواقع الأخرى التي يشير إليها دفتر التحملات بوضوح؟ هل يتعلق الأمر بخطة متعمدة لإيهام الرأي العام المحلي بأن الأمور تسير على ما يرام؟ أم أن هناك اتفاقا غير معلن بين الشركة والمصالح المكلفة بالمراقبة لتغطية التقصير المتواصل؟

الخطير أن الجماعة لم تصدر أي توضيح رسمي للرأي العام يشرح حقيقة ما يجري، ولم تكشف لا عن الوضعيات المالية المرتبطة بالصفقة، ولا عن محاضر التقصير والغرامات المنصوص عليها في العقد، خصوصا أن المادة 14 من دفتر التحملات تنص بوضوح على غرامة 500 درهم عن كل يوم غياب للعامل الواحد، ومع غياب 31 عاملا قارا يفترض وجودهم، فإن قيمة الغرامات وحدها تتجاوز 15 مليون سنتيم. فهل جرى تفعيل هذه الغرامات والمبالغ المترتبة عنها؟ أم أن المصالح التقنية اختارت الصمت، تاركة المال العام يتبخر أمام أنظار الجميع؟

إن مكناس اليوم لا تعاني فقط من غياب الخضرة والجمال، بل من فشل إداري في تدبير ملف بيئي وتنموي بالغ الأهمية. الحدائق ليست مجرد ترف عمراني، بل متنفس اجتماعي ونفسي ضروري للساكنة، خاصة للأطفال والأسر والمسنين. ففي مدن مثل طنجة ومراكش والجديدة، تحولت المساحات الخضراء إلى رئات حقيقية للسكان، وفضاءات ترفع جاذبية المدن وتؤمن لهم جودة حياة لائقة. أما بمكناس، فإن ساكنتها ما تزال تصطدم بحدائق متيبسة وأشجار مهملة، وكأنها تعيش خارج الزمن.

اليوم رئيس الجماعة، باعتباره المسؤول الأول عن التدبير المفوض، مطالب بتحديد الأعطاب بكل وضوح. فإذا كانت الشركة هي المسؤولة عن هذا الفشل الذريع، فالأمر لا يحتاج إلى تردد حيث يجب إنهاء العقد معها فورا، وفتح الباب أمام مقاولات أخرى أكثر مهنية وقدرة على الوفاء بالتزاماتها. أما إذا كان الخلل يكمن في المصلحة التقنية المكلفة بالتتبع والمراقبة، فإن الأمر يستوجب محاسبة صارمة للعاملين بها، لأن ترك الأمور على حالها يعني تشجيع الفوضى وتبديد المال العام.

الساكنة المكناسية لم تعد تثق في المبررات الجاهزة ولا في الحملات الترقيعية التي تظهر فجأة بعد كل مقال صحفي. ما يطلبه المواطن بسيط هو حدائق نظيفة، ومساحات مزروعة، وعشب أخضر يليق بمدينة تاريخية لطالما اعتبرت العاصمة الإسماعيلية رمزا لحضارة وتراث. كل درهم يصرف خارج هذا الهدف هو إهانة لحقوق دافعي الضرائب وخيانة لأمانة المسؤولية.

مكناس اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يتم اتخاذ قرار شجاع يعيد الاعتبار للمرفق العمومي وينهي هذا العبث المستمر، أو أن يستمر الوضع على ما هو عليه، لنجد أنفسنا بعد ثلاث سنوات أمام حصيلة كارثية وصفقة تبخرت ميزانيتها في الهواء دون أثر يذكر. لا مجال لمزيد من الانتظار، ولا حجة لتبرير الصمت. من يذر الرمل في عيون المكناسيين اليوم قد لا يجد غداً من يصدقه.

يتبع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *