وزارة الأوقاف في ورطة.. تنشر صفقة كعمومية وتنكرها لتضلل الرأي العام

في الوقت الذي كان ينتظر فيه من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تقدم توضيحات دقيقة وتعالج الخروقات التي رافقت طلب العروض المفتوح رقم 07/SHA/2025 المتعلق باستثمار الأراضي الوقفية بحمرية والبعاجين وزاوية بني ماض بوزان، جاء ردها ليزيد الطين بلة، وليحول شبهة الاختلال الإداري إلى فضيحة مؤسساتية تهدد مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة.
ففي رسالة رسمية موجهة إلى الممثل القانوني لشركة لأحدى الشركات التي شاركت في هذا الطلب، والذي سبق أن أثار ملاحظات جوهرية حول غياب الشفافية وخرق المقتضيات القانونية المؤطرة للصفقات العمومية، صرحت الوزارة بأن هذا الطلب “لا يتعلق بصفقات الأشغال أو التوريدات أو الخدمات، ولا تسري عليه مقتضيات المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية”، وأضافت أن طلبات العروض التي تعلن عنها الأوقاف تتم وفق مبادئ الحرية والمساواة والشفافية والحكامة الجيدة.
لكن المفارقة الصادمة تكمن في أن جواب الوزارة نفسه يناقض جوهر مبادئ الحكامة، إذ كيف يمكن الحديث عن الشفافية والمساواة في معاملة المتنافسين بينما الإعلان عن الصفقة خال من تاريخ وساعة فتح الأظرفة، وهو أبسط ضمانة قانونية لسلامة المسطرة؟ وكيف أيضا يمكن اعتبار هذه العملية خارج نطاق الصفقات العمومية بينما هي في جوهرها عملية استثمارية تقوم على قواعد المنافسة وتدبير المال العام الوقفي، أي مال الأمة؟
الأغرب أن الوزارة، عوض أن تواجه الأسئلة الحقيقية المطروحة حول ارتباك دفتر التحملات، وتناقض الوثائق التقنية، وإجبار المستثمرين على تقديم معطيات مالية داخل الملف التقني، اختارت لغة الإنكار والهروب إلى الأمام، وكأنها تعلن أن الأراضي الوقفية يمكن أن تدبر خارج القانون العام المنظم للصفقات، وهو منطق لا ينسجم مع التوجهات الرسمية للدولة المغربية في مجال الاستثمار، ولا مع خطابات المسؤولين الحكوميين الذين يؤكدون ليل نهار على تحسين مناخ الأعمال وجذب الرساميل الوطنية والأجنبية.
غير أن الأثر المباشر لهذا الجواب لم يتأخر في الظهور، خصوصا عندما أكدت مصادر متطابقة أن عددا من المستثمرين، المحليين والدوليين، قرروا الانسحاب من هذه العملية برمتها، معتبرين أن ما جرى لا يحترم أبسط شروط المساواة وتكافؤ الفرص، وأن الاستمرار في هذه الصفقة قد يجعلهم شركاء في عملية تفتقد للشرعية القانونية والأخلاقية.
ما يزيد الوضع تعقيدا هو أن هذه الأراضي ليست عقارات خاصة، بل هي أراض وقفية، أي ملك جماعي مخصص لخدمة الصالح العام، وبالتالي فإن أي شبهة فساد أو انحراف في تدبيرها يعتبر مساسا مباشرا بحقوق المواطنين وبثقة الرأي العام في مؤسسة الأوقاف.
إن ما وقع يكشف عن خلل عميق يتجاوز مجرد “خطأ إداري” إلى سوء تقدير استراتيجي من وزارة الأوقاف، التي اختارت خطاب الطمأنة الإنشائية بدل مواجهة الحقائق والاعتراف بالثغرات القانونية. وهو ما يفرض أكثر من أي وقت مضى فتح تحقيق جاد ومستقل لتحديد المسؤوليات، وإعادة النظر في طريقة تدبير طلبات العروض الخاصة بالأراضي الوقفية، بما يضمن احترام القانون وصيانة المال العام.
وإذا كانت وزارة الأوقاف تصر في جوابها الرسمي على أن طلب العروض المذكور لا تسري عليه مقتضيات المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بحدة هو، لماذا إذن تم نشر الإعلان في الجريدة الرسمية، وإدراجه في المنصة الوطنية للصفقات العمومية، بنفس الشكل والإجراءات التي يتم بها نشر الصفقات العمومية العادية؟
أليس هذا تناقضا فاضحا يكشف ارتباكا مؤسساتيا خطيرا؟ أم أن الأمر مجرد محاولة لشرعنة مسطرة معيبة بإلباسها لباس الصفقات العمومية حينا، والتنصل من مقتضيات القانون حينا آخر؟
هذا السؤال لم يعد يحتمل التأجيل، لأنه لا يتعلق فقط بالوضوح القانوني، بل بثقة المستثمرين في شفافية الدولة نفسها.
وأن الفضيحة الحقيقية لم تعد فقط في طلب العروض المشبوه، بل في جواب الوزارة الذي كشف أن من يفترض أن يكون حاميا للشفافية، اختار طريق التبرير والتجاهل، وهو ما يجعل السؤال مطروحا بإلحاح وهو من يحمي أراضي الأوقاف من العبث؟