الومغاري يشتغل ولوبيات الريع تشوش.. مكناس في معركة الحقيقة ضد التفاهة


مرة أخرى، يصر البعض على أن يجعل من التفاهة بضاعة رائجة في السوق الإعلامي والسياسي، وكأن قدر هذا الوطن أن يساق إلى معارك وهمية تافهة بدل مواجهة الحقائق الكبرى التي تهم مستقبل المواطنين وتنمية مدنهم.
منذ أسابيع، ونحن نتابع كيف صارت بعض المنابر تلهو بكتابة مقالات لا تستند إلى أي أساس من المهنية أو المصداقية، فبالأمس كان الاستهداف موجها إلى رمز البلاد وملكها محمد السادس بمقالات رخيصة نشرتها لوموند الفرنسية، مليئة بالافتراءات وتفتقر لأبسط معايير الاحترام والمهنية. واليوم، السيناريو نفسه يتكرر بمدينة مكناس ضد رئيس جماعة منتخب لم يكمل حتى عامه الأول على رأس المجلس.
وتبقى الحقيقة التي يتجاهلها هؤلاء، هو أن فوز الومغاري برئاسة المجلس كسر غرور من اعتادوا التحكم في مصير المدينة وأهلها، لذلك لم يدخروا جهدا في استعمال كل أساليب التشويش بداءا باستئجار بعض الجهال ومرتزقة الفيسبوك ممن يكتبون تدوينة بالنهار وينتظرون “الأتَاوة” بالليل، وصولا إلى تشويش أكثر فخامة أو “تشويش VIP”، بتوظيف أكاديميين يتقنون الضرب على الطبل وبمستوى عال، أو ما يمكن وصفه بـ”تنكافة” بمنطق بنكيراني الذي لا يخطئ الهدف عندما يرمي بسهام نقده.
الغريب أن بعض الأصوات التي تتصدر اليوم مشهد النقد والاتهام، هي نفسها من كانت تدبر الشأن المحلي بالأمس، وراكمت الفشل، وارتكبت زلات لا تغتفر. فأي وجه لهم ليحاضروا اليوم في النزاهة والشفافية؟ وأي منطق يقبل أن يتنكروا لماضيهم القريب ويقفزوا فوق الحقائق التي يعرفها القاصي والداني؟
نعم، الومغاري قد يخطئ، لكنه على الأقل يملك شرف المحاولة، ولعل ما أنجزه في تسعة أشهر كافية لتشفع له على اعتبار أن ما قام به لم يسبقه له رئيس قبله. ولأننا لا نريد أن ننحدر إلى مستوى النبش في الملفات النتنة، نكتفي بالقول إن الرجل يشتغل بنية حسنة، ويدبر الأمور بعقل رجل متمرس لا تمر فوق رأسه الملفات دون أن يعي خباياها، وبالتالي من يظن العكس فهو واهم. فقط لا تنبشوا في الغار، لأن الثعابين قد تلتهمكم من يدري.
إن ما يجري اليوم بمكناس ليس سوى توظيف ممنهج للتفاهة كسلاح سياسي، من خلال عملية انتقاء موضوع فارغ، ثم يتم تضخيمه، واعادة تدويره، ليقدم فجأة للرأي العام كأنه “زلزال سياسي”، في حين تبقى الملفات الحقيقية، بخصوص من أفسد، ومن أهدر المال العام، ومن تستر على سنوات من الريع وسوء التدبير، خطوط حمراء، لأنها ببساطة تفضح لوبيات اعتادت العيش على حساب صمت المؤسسات.
كان من الأجدر عوض أن تنخرط في هذا العبث بعض الأصوات الأكاديمية، أن تكرس قلمها للترافع عن المغرب في المحافل الدولية، وعن القضايا الوطنية، لا أن تتدحرج إلى مستوى التشويش والتهريج والتفاهة، فهل وصلنا إلى زمن صار فيه “الخبز الحافي” بديلا عن الكرامة المؤسسية؟
ما يجب أن يعيه هؤلاء إن الاستقرار في المغرب ليس ترفا سياسيا ولا ورقة للمزايدات، بل هو صمام أمان وشرط أساسي لأي مسار تنموي، لذلك فإن أي خطاب يفهم منه التشويش أو التبخيس، سواء جاء من صحيفة فرنسية مأجورة أو من أكاديمي محلي مأزوم، أو من مرتزق فيسبوكي جاهل لا يخدم إلا أجندات غير وطنية.
وبالتالي، آن الأوان أن نقولها بصراحة، كفى من اللعب بالتفاهة، كفى من تحويل القضايا الهامشية إلى قضايا رأي عام، كفى من تكميم النقاش الحقيقي حول الفساد وسوء التدبير، كفي من الصيد في المياه العكرة
المغرب يحتاج اليوم إلى إعلام يفضح الاختلالات الحقيقية لا أن يبيع الوهم، إلى نخب أكاديمية ترفع منسوب النقاش لا أن تلوكه بالشعبوية، وإلى سياسيين يشتغلون بجدية لا أن يضيعوا وقتهم في تصفية الحسابات.
أما مكناس، فهي تستحق أن تعطى لرئيسها الجديد فرصة للعمل والإنجاز، لا أن يستهدف قبل أن يبدأ، وعباس الومغاري ليس نهاية العالم، لكنه مؤشر على معركة أكبر، معركة بين من يريد بناء المستقبل، ومن يصر على أسرنا في مستنقع التفاهة.