فؤاد السعدي يكتب: تدوينات الشرقاوي.. نقد بلا عمق وانفعال يفضح ضعف الفهم القانوني

مرة أخرى، يخرج علينا عمر الشرقاوي بتدوينة بهلوانية تكشف ضحالة في الفهم السياسي والدستوري، وتؤكد أن الرجل الذي يقدم نفسه أستاذا جامعيا في القانون، بعيد كل البعد عن عمق ما يتم تدريسه. في خرجته الأخيرة، اختار أن يجعل من النائب البرلماني عبد الله بوانو هدفا لانتقاداته، ليس من باب النقاش الموضوعي حول الأداء السياسي والبرلماني، وإنما من زاوية ضيقة تنضح بالانفعال والتشويش. قال الشرقاوي إن بوانو يسائل الحكومة في كل شيء، لكنه يغض الطرف عن مكناس التي انتخب منها، ثم أضاف أخطر ما يمكن أن يقال، “إغضاب السلطة له كلفته القاسية”، وهو تصريح لا يكشف فقط عن سطحية في التحليل، بل عن اتهام صريح لوزارة الداخلية ورجال السلطة بأنهم المتحكمون في الخريطة الانتخابية، في تناقض صارخ مع روح دستور 2011 ومع ما يدعيه الشرقاوي من مواقف سابقة.

ما صدر عنه ليس مجرد زلة لسان، بل انزلاق خطير يضرب في العمق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويكرس مقولة الدولة العميقة التي طالما استعملها بعض التيارات الراديكالية لتبرير فشلها، وبالتالي كيف يقبل أستاذ قانون أن يقر، بشكل صريح، بوجود سلطة موازية تتحكم في السياسة وتحدد مستقبل الانتخابات؟ ثم بأي منطق ينتقد بوانو لأنه يسائل الحكومة في قضايا وطنية ودولية، من غزة إلى الأسعار والحرائق وتضارب المصالح، بينما يلتزم الصمت أمام نواب آخرين عن مكناس يمثلون أحزاب التحالف الثلاثي الحاكم، الأحرار والبام والاستقلال؟ أليس الأولى أن يوزع نقده بعدالة، بدل أن ينحصر في برلماني واحد يزعج الحكومة التي نصب نفسه مدافعا عنها؟

الشرقاوي بتدوينته الأخيرة لم يسيء لبوانو بقدر ما أساء لنفسه ولمكانته الأكاديمية، فمن يفترض أن يكون أستاذا جامعيا يزن كلامه بدقة ويحلل النصوص والوقائع بموضوعية، انحدر إلى خطاب شعبوي مليء بالتناقضات. وهو ليس أول سقوط له، فقد سبق أن ضحك على نفسه حين كتب أن حفظ ملف الممثلة والمؤثرة “غيثة” كان بسبب تنازل الزوجة، في جهل فاضح للفصل 492 من القانون الجنائي، الذي ينص بوضوح على أن التنازل لا يستفيد منه سوى الزوج وحده، وأن القرار كان نتيجة انعدام وسائل الإثبات، وليس بفضل تنازل الزوجة كما أوهم الناس بكلك. وقبلها خلط بين قرار العزل وقرار التجريد بخصوص المنتخبين الجماعيين، وهو خطأ لا يرتكبه حتى طالب في بداية مساره الدراسي في القانون.

هذه السقطات المتكررة تفضح حقيقة مؤسفة وهي أن الرجل لا يعكس صورة الأستاذ الجامعي الرصين الذي ينير عقول طلبته، بل مجرد هاو يلهث وراء التدوينات الفيسبوكية دون تدقيق أو قراءة متأنية. أن تكون أستاذا ليس لقبا يمنح بمجرد جلوسك في قاعة الدرس، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية تستند إلى المعرفة العميقة والنزاهة العلمية، أما أن تسقط في زلات كهذه، وتهاجم من تشاء بخطاب انفعالي، فذلك لا يسيء لك وحدك، بل يسيء للتنظيم الذي تنتمي إليه وللجامعة التي تحمل صفتها.

على الأقل، عبد الله بوانو امتلك شجاعة مساءلة الحكومة، فضح تضارب مصالح رئيسها، تكلم عن الأسعار التي أثقلت كاهل الشعب، ودافع عن غزة وأهلها بجرأة. أما الشرقاوي، فقد اختار أن ينشغل بتدوينات فارغة، وأن يتحول إلى بوق يدافع عن السلطة التنفيذية في كل محفل. فبين من ينحاز للشعب وقضاياه، ومن ينحاز للسلطة ويبرر أخطاءها، تظهر المسافة الحقيقية التي تفضح الشعارات الزائفة.

لقد آن لعمر الشرقاوي أن يدرك أن اللقب لا يصنع الأستاذية، وأن الفيسبوك ليس بديلا عن المعرفة، وأن التدوينات المتهورة لن تمنحه المصداقية التي يفتقدها، فإن كان يصر على هذا المسار، فالأجدى به أن يعود لمقاعد الدراسة، يراجع مقررات السنة الأولى في القانون، قبل أن يتجرأ على الحديث باسم الأكاديمية أو يوزع الدروس على الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *