“جبروت”.. حين تتحول المنصات المشبوهة إلى أداة في حرب سيبرانية ضد المغرب

لم يكن الحساب المسمى “جبروت”، الذي أثار ضجة في الآونة الأخيرة عبر نشر معطيات تستهدف مؤسسات حساسة في المغرب، مجرد صدفة أو مبادرة شخصية معزولة. فقراءة متأنية في مضامينه ولغته واختياراته تكشف أننا أمام واجهة لحملة سيبرانية ممنهجة، غايتها ليست كشف الفساد ولا الدفاع عن حرية التعبير، بل التشويش وضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته.

تحليل بسيط للمنشورات يبين أن القائمين على الحساب لا ينتمون للبيئة المغربية. فاستعمال كلمات مثل “جانفي” و“أغسطي”، المتداولة في الجزائر وتونس والمشرق، بدل “يناير” و“غشت” المعتمدتين في المغرب، يعكس انقطاعا لغويا واضحا. نفس الأمر بالنسبة لعبارات غريبة مثل “أين بنيت” و“أين اطلعه”، والتي لا مكان لها في الدارجة المغربية. هذه التفاصيل اللغوية الدقيقة تحوّل الحساب من ادعاء “الداخلية” إلى انكشاف “الخارجية”.

بعيدا عن اللغة، تكشف بنية النصوص عن أسلوب أقرب إلى محاضر بوليسية منه إلى تدوينات على مواقع التواصل. تكرار، مصطلحات تقنية، إغراق في الأرقام والتواريخ وأسماء الأشخاص، كلها مؤشرات على أن الهدف ليس التواصل مع الجمهور العادي، بل صناعة صدمة نفسية لدى المتلقي عبر ضخ تفاصيل توحي بالجدية والسرية.

المواضيع التي يختارها الحساب لم تكن بريئة. استهداف القصر الملكي والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DST) ينسجم مع محاولات سابقة لخصوم المغرب للنيل من رمزيته السياسية ومن جهازه الاستخباراتي المعروف إقليميا بكفاءته ونجاعته. اتهامات مثيرة من قبيل “تسميم ولي العهد عبر طباخ في قصر الرباط” سرعان ما تتهاوى أمام الحقائق، إذ أن ولي العهد يقيم في إقامة دار السلام، ما يكشف أن الهدف لم يكن الإخبار بل الإثارة والتشويش.

في ضوء هذه المؤشرات، يصبح حساب “جبروت” جزءا من سياق أوسع وهو حرب سيبرانية تستخدم فيها أدوات التواصل الاجتماعي لترويج روايات مضادة، تستهدف الاستقرار الداخلي عبر بث الشك والبلبلة. هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها المغرب هجمات رقمية من هذا النوع، فقد سبق أن كانت منصات مشبوهة تنشر محتويات ملفقة عن الأجهزة الأمنية أو القضايا الوطنية.

السؤال الحقيقي إذن ليس ماذا نشر “جبروت”، بل من يقف وراءه؟ ومن المستفيد من التشويش على صورة المغرب؟ تتقاطع المؤشرات عند فرضية أطراف خارجية منزعجة من أدوار المغرب الإقليمية، سواء في ملفات الأمن أو الطاقة أو الدبلوماسية، فتسعى عبر “حرب السرديات” إلى إضعاف جبهة الداخل.

ما يروج عبر “جبروت” لا يعكس سعيا إلى الإصلاح أو فضح الفساد، بل يندرج في خانة محاولات استهداف سيبراني منظم، هدفه زعزعة الثقة في المؤسسات وضرب الاستقرار النفسي للمجتمع. محاولات كهذه، رغم ما قد تحدثه من ضجيج افتراضي، تظل محدودة الأثر أمام رسوخ مؤسسات الدولة المغربية، لكنها تكشف حجم الرهانات والمعارك غير المرئية التي يخوضها المغرب في الفضاء الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *