فؤاد السعدي يكتب.. 390 مليون سنتيم لزرع الصحراء في قلب مكناس

مكناس _ لم يعد من المستبعد أن يتحول ملف المساحات الخضراء بمكناس إلى بركان قد ينفجر بقوة خلال الدورة الاستثنائية المرتقبة أواخر شهر شتنبر، بعدما بلغ منسوب الغضب الشعبي مداه في ظل الحالة المزرية التي تعرفها مجمل حدائق المجمعات السكنية والأحياء. مشاهد الصحراء القاحلة التي تعوض الخضرة في أرجاء المدينة فتحت الباب على مصراعيه أمام أسئلة محرجة حول من يحمي الشركة المكلفة بالتدبير؟ ومن يراكم الغموض والتضليل في المعلومات؟ وهل هناك مصالح خفية يتم طبخها في الكواليس بين بعض الأطراف والشركة نائلة الصفقة؟ هي تساؤلات تعكس تعقيد الملف، وتجعل منه واحدا من أكثر الملفات الشائكة والحارقة التي تضع المجلس الجماعي أمام امتحان صعب، خاصة وأن الصفقة التي بلغت كلفتها 390 مليون سنتيم على مدى ثلاث سنوات لم تتم ترجمتها على الأرض بأي تحول حقيقي يليق بمدينة تاريخية بحجم مكناس.

مباشرة بعد نشر موقع “المستقل” لمقال حول فشل الشركة في تدبير هذا المرفق، سارع مستخدموها إلى القيام بعملية سقي في عز الظهيرة وتحت أشعة الشمس الحارقة، في مشهد لا يجسد فقط غياب الكفاءة، بل يكشف أيضا عن استهتار بالدوريات الوزارية والقرارات العاملية التي شددت على ضرورة ترشيد استعمال المياه في ظل أزمة الجفاف التي تخنق المملكة وتستنزف فرشتها المائية. هذا السلوك وحده يكفي لاعتباره مؤشرا خطيرا على التخبط، خصوصا وأن مفهوم التدبير العقلاني للموارد المائية صار ركيزة أساسية في أي مشروع بيئي أو تنموي، فكيف يمكن تبرير إنفاق الملايين في صفقات ضخمة بينما يغيب الحد الأدنى من المهنية؟

وإذا كانت هذه المظاهر تعكس ضعفا في التدبير، فإن النماذج الواقعية تكشف عن صورة أكثر قتامة. حديقة لاكورة مثلا، كان يفترض على الشركة، مع بداية خدماتها، أن تتولى استغلال البئر المتواجد بها من خلال إصلاح شبكة الري والمدخلة التي ظلت عاطلة لأزيد من أربعة أشهر. غير أن التأخير في إصلاح هذه الأعطاب لم يقابل بأي تحرك من مصالح الجماعة لتوقيع الجزاءات، وهو ما يثير سؤالا مشروعا حول ما إن كانت مصلحة التتبع والمراقبة تشتغل لصالح الجماعة أم لصالح الشركة؟ إذ لا يعقل أن يتم التساهل مع هذا التراخي وضرب المصلحة العامة عرض الحائط.

ولا يقتصر الأمر على الأعطاب التقنية وحدها، بل يمتد أيضا إلى ملف غراسة العشب المنصوص عليه صراحة في دفتر التحملات. فقد حددت الشركة سعرا قدره 15 درهما للمتر المربع الواحد، وهو مبلغ قد لا يخدم مصالحها المالية وقد يكبدها خسائر معتبرة، ما يفسر امتناعها عن تنفيذ هذا الالتزام. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في موقف الشركة فقط، بل في صمت مصلحة التتبع والمراقبة بالجماعة التي لم تحرك ساكنا لإجبارها على احترام العقد. ويبقى السؤال الأخطر، لماذا لم تتحرك مصلحة التتبع لفرض تنفيذ هذا الالتزام رغم وضوحه في العقد؟ أليس من واجبها أن تلزم الشركة بما تعهدت به، بدل التغاضي والتواطؤ الضمني؟ هنا يطرح الشارع المكناسي استفهاما مريرا، حول ما إن صار موظفو وأطر الجماعة في خدمة المرفق العمومي الذي يشتغلون به، أم في خدمة الشركات التي تفوض لها مهام أساسية بأموال دافعي الضرائب؟

منذ انطلاق العمل بالصفقة وما رصد لها من اعتمادات مالية مهمة موجهة للتشجير والتهيئة، لم يلمس المواطن المكناسي أي إضافة تذكر، اللهم حدائق متيبسة، وعشب جاف، وأشجار لم تزرع أصلا، ومساحات تحولت إلى نقاط مهملة. وهنا يطفو السؤال الجوهري من جديد، أين تبخرت الميزانية؟ وهل نحن أمام نموذج آخر من الصفقات التي تتحول إلى مجرد حبر على ورق دون أثر في الميدان؟

اليوم لم يعد أمام المجلس الجماعي سوى خيارين، إما تفعيل آليات المراقبة الصارمة وتوقيع الجزاءات القانونية على الشركة نائلة الصفقة بما في ذلك إمكانية فسخ العقد، أو الاستمرار في الصمت الذي لن يترجم إلا كقبول ضمني بالعبث. فالقضية لم تعد مجرد مساحات خضراء، بل تحولت إلى رهان بيئي وتنموي يعكس صورة المدينة ويقيس مدى احترام المؤسسات لحقوق المواطنين في فضاءات عمومية تحفظ كرامتهم.

الدرس الأبرز من هذا الملف أن التنمية البيئية لا تبنى بالصفقات وحدها، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة تشرك مختلف المتدخلين من المجلس والسلطات المحلية إلى فعاليات المجتمع المدني، مع جعل الشفافية والمساءلة ركيزتين أساسيتين. كما أن إشراك خبراء في تدبير الموارد الطبيعية أصبح ضرورة ملحة لتفادي تكرار أخطاء مكلفة. وفي انتظار ما ستسفر عنه دورة شتنبر الاستثنائية، يبقى الشارع المكناسي متوجسا من أن يتحول ملف المساحات الخضراء إلى نموذج جديد للوعود الكبيرة والنتائج الهزيلة.

..يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *