فؤاد السعدي يكتب.. الوالي الصبار يطلق رصاصة الرحمة على عقليات البؤس واليأس بمكناس

مرة أخرى، تثبت مكناس أنها مدينة تعيش على مفترق الطرق، بين إرادة صادقة للنهوض، وبين عقليات متكلسة لا تزال تصر على عرقلة المسار والتشويش عليه. ففي اللقاء الذي جمع والي جهة فاس مكناس بالنيابة عامل عمالة مكناس، عبد الغني الصبار، مع فعاليات رياضية بالمدينة، بمناسبة الذكرى 62 لميلاد جلالة الملك محمد السادس، لم تكن كلماته مجرد مجاملة بروتوكولية، بل جاءت كرسالة قوية تلتقي في جوهرها مع ما حمله خطاب العرش الأخير من توجيهات صارمة بشأن الجدية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالرجل لم يكتف بدور إداري بارد، بل اختار أن يتحدث بلهجة صريحة تكشف حجم الرهانات والتحديات التي تواجه هذه الحاضرة العريقة، وتضع النقاط على الحروف في لحظة سياسية واجتماعية حساسة.

الصبار لم يتحدث بلغة المواربة ولا بلغة التوازنات الظرفية، وإنما وضع الأمور في نصابها حين أكد أنه سيمنح دعمه الكامل لكل الرؤساء الجادين. هذه العبارة لم تكن مجرد وعد عابر، وإنما تعبير عن فلسفة حكم واضحة عنوانها أن لا مكان للمترددين، ولا للمستفيدين من العرقلة، ولا لأولئك الذين اعتادوا أن يعيشوا على هامش التنمية، فإما أن يكون المنتخب أو الفاعل المحلي في مستوى المسؤولية، وإما أن يفسح المجال لغيره. أو بعبارة أكثر وضوحا، مكناس ليست للبيع في أسواق الحسابات الصغيرة، ولا مجال فيها للمصالح الضيقة أو المواقف المصلحية التي تعطل المشاريع. وبالتالي، لا حديث عن الولاءات ولا عن التوازنات الهشة، بل عن الجدية والكفاءة وحدهما كمعيار للثقة والدعم.

اللافت في كلمة الوالي أنها لم تنحصر في المجال الرياضي، رغم كون المناسبة رياضية، بل حملت بعدا رمزيا يتجاوز الأندية والفرق إلى كل المؤسسات، لتطال كل من يشتغل في الحقل العام.  بالتالي فمكناس لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج الفارغ، ولا يمكن أن تختزل في نزاعات ضيقة أو مصالح شخصية عابرة، بل تحتاج إلى جبهة موحدة قادرة على تحويل الإمكانيات إلى إنجازات، وإلى رجال ونساء يضعون مصلحة المدينة فوق نزواتهم، لا إلى أولئك الذين عاشوا لسنوات على “حليب البزولة”، يقتاتون من عرقلة المشاريع والاصطياد في الماء العكر، قبل أن تنقطع عنهم فجأة منابع الامتيازات. هؤلاء هم خصوم التنمية الحقيقيون، دعاة البؤس واليأس الذين لا يفرحون إلا حين تتراجع مدينتهم، وكأن فشلها يضمن لهم البقاء. وهنا يلتقي خطاب الصبار مع الخطاب الملكي الأخير، الذي شدد فيه جلالة الملك على ضرورة الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، ومن الوعود الفضفاضة إلى المشاريع الملموسة، لأن المغاربة سئموا لغة التبرير وانتظار الأعذار.

فمن المؤسف أن المدينة، التي حملت تاريخا مجيدا كعاصمة إسماعيلية وفضاء حضاري عريق، لا تزال رهينة عقليات تعيش على منطق “العصا في العجلة”، وتستمد قوتها من تعطيل المبادرات. دون أن تعي أن الزمن تغير، ورسائل الدولة واضحة وصريحة وهي أن لا مكان لمثل هذه العقليات في مغرب اليوم، مغرب المسؤولية والجدية كما حدده جلالة الملك في خطابه الأخير.

في المقابل، هناك نماذج مشرفة تؤكد أن الإرادة حين تتوفر، يصبح النجاح ممكنا. ويكفي أن ننظر إلى الجهود التي يبذلها رئيس جماعة مكناس، عباس الومغاري، لمواجهة التركة الثقيلة من الإهمال، أو إلى عزيمة عز الدين اليعقوبي لإعادة الاعتبار للنادي المكناسي لكرة القدم، أو الإنجاز الكبير الذي صنعه عزيز ضعيف مع فريق كرة السلة. هذه الأسماء ليست سوى عينة من إرادات صادقة تسعى لإعادة الاعتبار لمدينة ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الأضواء، مع التأكيد أن العمل الجاد ممكن، وأن النجاح ليس حلما بعيد المنال.

الوالي الصبار أطلق رصاصة الرحمة على مرحلة المراوحة والتردد، حين وجه دعوته للمكناسيين بأن يدعموا كل مبادرة جادة بدل الوقوف حجر عثرة أمامها، على اعتبار أن مكناس لا تحتاج إلى متفرجين يتقنون جلد الذات، بل إلى طاقات مبدعة تؤمن بقدرة المدينة على استعادة موقعها الطبيعي. ومن دون هذا، لن تنفع لا صرامة الوالي ولا حماس الرؤساء، بل يلزم تعبئة ووعي جماعي بأن مكناس أكبر من نزوات الأشخاص، وأن تاريخها ومستقبلها ليسا رهينين بمزاجيات أو مصالح عابرة.

رسالة الوالي الصبار اليوم واضحة، فإما أن نرتقي جميعا إلى مستوى المسؤولية كما دعا جلالة الملك، ونضع مكناس على سكة النهوض، وإما أن نواصل الغرق في مستنقع البؤس الذي يريده لنا بعض المتربصين، ونظل أسرى لعقليات متجاوزة تعيش على الأوهام. والاختيار، في النهاية، بيدنا نحن قبل أن يكون بيد أي مسؤول، والتاريخ لن يرحم المتخاذلين، كما أن المستقبل لن ينتظر المتأخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *