مكناس.. صفقة صيانة المساحات الخضراء بين طموح المجلس وإخفاق الشركة المكلفة

مكناس _ منذ توقيع جماعة مكناس على اتفاقية الإطار الخاصة بصيانة المساحات الخضراء، بميزانية تقدر بـ390 مليون سنتيم وتمتد على ثلاث سنوات، ساد شعور بالتفاؤل في أوساط الساكنة التي كانت تنتظر تحولا يليق بصورة مدينة عريقة طالما افتقدت إلى حدائق منظمة ومتنفسات طبيعية تحفظ جاذبيتها العمرانية والبيئية. هذه الصفقة، التي تم تقديمها كخطوة نوعية ضمن توجه المجلس الجماعي الجديد لترشيد الموارد المالية وتحسين جودة الخدمات، اعتبرت لحظة مفصلية في مسار تدبير المرفق البيئي بالمدينة. غير أن الحصيلة الميدانية منذ انطلاق أشغال الشركة نائلة الصفقة تكشف عن واقع مغاير تماما يتجلى في مردود ضعيف، ومعدات محدودة، ويد عاملة غير كافية، وغياب أي أثر ملموس على أرض الواقع.
اليوم ما تزال المساحات الخضراء بشوارع مكناس وأحيائها، تعاني من الإهمال ذاته الذي كان قائما قبل الصفقة، فلا تحسن في التشذيب ولا انتظام في السقي ولا حضور يذكر لفرق الصيانة. وأمام هذا المشهد، يجد المواطن المكناسي نفسه يتساءل بحيرة وحصرة، أين ذهبت الملايين المرصودة؟ وهل نحن أمام صفقة مجردة من الجدوى؟ فحسب معطيات متطابقة، فإن الشركة المكلفة لم تف بالتزاماتها المنصوص عليها في دفتر التحملات، سواء من حيث المعدات العصرية الواجب توفيرها أو من حيث حجم اليد العاملة المؤهلة. هذا التراخي لا يسيء فقط إلى صورة المدينة، بل يضرب في العمق فلسفة “الصفقة الإطار” التي أراد المجلس من خلالها عقلنة النفقات والقطع مع الهدر المالي الذي ميز المرحلة السابقة.
اليوم، يسير رئيس مجلس الجماعة وفريق عمله بخطى سريعة نحو تنزيل استراتيجيات جديدة في التدبير، بينما تتحرك الشركة المكلفة ببطء يثير الشكوك، هذا التفاوت في الإيقاع يجعل من التدخل الحازم للمجلس أمرا لا يحتمل التأجيل، من خلال تفعيل آليات المراقبة وتوقيع الجزاءات، وربما التفكير في إنهاء التعاقد إذا استمر الوضع على ما هو عليه، على اعتبار أن صيانة المساحات الخضراء ليست عملا تقنيا عاديا، بل هي رهان بيئي وتنموي يرتبط بجودة الحياة في المدينة، ويعكس مدى احترام المؤسسات لحقوق المواطنين في فضاءات عمومية تليق بكرامتهم. كل تقصير في هذا الورش هو إضرار مباشر بصورة مكناس وحرمان لساكنتها من حقها في محيط صحي وجمالي.
إن جماعة مكناس اليوم أمام امتحان حقيقي، فإما أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة في مراقبة ومحاسبة الشركة نائلة الصفقة، أو أن تترك الساكنة تواجه عبثا يفرغ المشاريع التنموية من مضمونها. فالمواطن المكناسي لم يعد يقبل بحدائق جافة وأعشاب متيبسة في وقت تصرف فيه الملايين باسم “العناية بالمساحات الخضراء”. القرار الآن بيد المجلس، فإما الحزم والقطع مع الفوضى، أو الاستسلام لوضع يهدد بتحويل 390 مليون سنتيم إلى مجرد أرقام على ورق.