شركة نقل توجه إنذارا لوزارة الفلاحة بسبب تماطل في أداء مستحقات صفقة الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس

في واقعة تعكس استمرار إشكالية تأخر المؤسسات العمومية في صرف مستحقات المقاولات الصغرى والمتوسطة، أقدمت شركة النقل “ترانس التراث” على توجيه إنذار قانوني رسمي إلى مديرية تنمية سلاسل الإنتاج بوزارة الفلاحة والتنمية القروية، بسبب عدم توصلها بمستحقاتها المالية رغم مرور ثلاثة أشهر على تنفيذ الخدمة المتفق عليها.
الإنذار، الذي حرره محامي الشركة بتاريخ حديث، جاء بعد أن استنفدت المؤسسة جميع الوسائل الإدارية الودية دون جدوى، مما اضطرها إلى سلك المسار القانوني من أجل استرداد مبلغ قيمته 28.560 درهما، يخص خدمة كراء وسائل نقل لفائدة مشاركين في صالون الفلاحة بمكناس، ما بين 21 و27 أبريل 2025.
وقد أكدت الشركة، في مراسلتها، أنها أوفت بكافة الالتزامات المتفق عليها في طلب السند رقم DDPF2025/01، من خلال توفير ثلاث حافلات صغيرة مكيفة ومجهزة، بالإضافة إلى سائقين محترفين، وفقا للشروط التقنية والمالية المحددة، ودون أن تسجل الوزارة أي تحفظ على جودة الخدمة أو تنفيذها.
إلا أن المفارقة المقلقة تكمن في أن هذا التأخر في الأداء يتعارض بشكل مباشر مع دورية وزارة الاقتصاد والمالية، التي تُلزم الإدارات العمومية والمؤسسات التابعة لها بأداء مستحقات الشركات فور إنهاء الخدمة وتقديم الفاتورة، وذلك من أجل الحفاظ على توازن المقاولات والحد من أزمات السيولة التي تخنقها، خاصة في ظل الظرفية الاقتصادية الراهنة.
وتُعد هذه الحالة نموذجا متكررا يعاني منه عدد كبير من المقاولات المتوسطة والصغرى، التي تجد نفسها مجبرة على انتظار شهور طويلة لتسوية مستحقاتها، رغم أنها التزمت بجميع الجوانب التعاقدية، وغالبًا ما تكون قد دفعت الضرائب، والأجور، والتكاليف التشغيلية الخاصة بتقديم تلك الخدمات.
ويرى متابعون أن تماطل الإدارات في صرف المستحقات لا يعتبر فقط إخلالا إداريا، بل ممارسة تضر بالنسيج الاقتصادي الوطني، وتناقض توجهات الدولة في تشجيع الاستثمار، وتحفيز المقاولة الوطنية، وخلق مناخ ثقة بين الإدارة والقطاع الخاص.
ويطرح هذا الملف أيضًا تساؤلات حول نجاعة أنظمة المراقبة الداخلية داخل الوزارات، ومدى احترام قواعد الشفافية والفعالية في صرف الاعتمادات، لا سيما في ظل إصرار الحكومة على محاربة الريع والبيروقراطية، والرفع من أداء المرفق العمومي.
من جهتها، طالبت شركة “ترانس التراث”، عبر محاميها، بتسوية الفاتورة في أجل أقصاه 15 يوما من تاريخ التوصل بالإنذار، مع احتفاظها بكافة حقوقها القانونية في حال عدم الاستجابة، بما في ذلك اللجوء إلى القضاء الإداري أو محاكم جرائم الأموال، في حال ثبوت أي تعسف مقصود أو سوء نية.
ووسط هذا الوضع، يتساءل الرأي العام والمقاولات المتضررة حول جدوى إقرار دوريات وزارية وقوانين تنص على الأداء الفوري، إذا لم تفعل داخل المكاتب الإدارية؟ ولماذا تستمر هذه الثقافة السلبية في التعامل مع مال عام ومقاولات وطنية يُفترض أن تكون شريكة في التنمية لا ضحية لها؟
صحيح أن تطويق هذه الظاهرة يتطلب إجراءات عملية عاجلة، أبرزها، هو تفعيل لجان تتبع لأداء المستحقات داخل الوزارات مع ربط المسؤولية الإدارية بمستوى التفاعل مع آجال الأداء، وخلق آلية رقمية موحدة لمتابعة آجال صرف الفواتير ومراقبتها مركزيا. كما أن المساءلة السياسية أصبحت ضرورية، خاصة في الملفات التي تتكرر فيها هذه السلوكيات، لتجنب أن تتحول العلاقة بين المقاولة والإدارة إلى علاقة قائمة على الانتظار والتجاهل، بدل الشراكة والتكافؤ.
الملف مفتوح، والدولة مدعوة اليوم لتصحيح اختلالات تؤثر على صورتها أمام الفاعلين الاقتصاديين، وتجعل من نصوصها التنظيمية حبرا على ورق في نظر من ينتظرون الأداء بعد “العمل المنجز”.