رئيس المجلس الإقليمي لسيدي قاسم يعبث بهاتفه أثناء خطاب العرش.. وموجة تساؤلات حول احترام رمزية الدولة

المستقل | فؤاد السعدي
بثقة وتقدير يتابع المغاربة، في كل سنة، الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش، باعتباره لحظة دستورية ووطنية بامتياز، ترسم فيها معالم السياسات العامة، وتجدد فيها العلاقة بين الدولة والمجتمع، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، إلا أن مشهدا غريبا أثار استياء عارما هذه السنة، بعد تداول واسع لفيديو يوثق رئيس المجلس الإقليمي لسيدي قاسم، بنعيسى بنزروال، وهو منشغل بهاتفه المحمول خلال مراسيم الاستماع للخطاب الملكي، في سلوك وصف بأنه لا يليق بمسؤول سياسي يمثل مؤسسة دستورية منتخبة.
هذا المشهد، الذي لم يتعد ثوان، كان كافيا ليطرح أسئلة عميقة حول وعي بعض المنتخبين بطبيعة مسؤوليتهم، ومدى احترامهم لمقام الدولة ورمزيتها. فالخطاب الملكي ليس مجرد لحظة بروتوكولية، بل هو وثيقة توجيهية ترسم الأفق وتحدد المسؤوليات، ومن المفروض أن يكون محط إنصات وتفكير من طرف جميع الفاعلين المؤسساتيين، وفي مقدمتهم المنتخبون الترابيون.
حين يظهر رئيس مجلس إقليمي، يفترض أنه من أقرب المسؤولين لمشاكل الساكنة، وهو يعبث بهاتفه أثناء خطاب الملك، فإن ذلك لا يعبر فقط عن استخفاف بلحظة وطنية، بل يعكس غيابا مقلقا للوعي السياسي والتقدير المؤسساتي، وما يزيد من خطورة الموقف، هو أن المناسبة لم تكن جلسة عادية داخل المجلس، بل مراسيم رسمية يحضرها ممثلو الدولة، ويفترض أن تسودها مظاهر الالتزام والانضباط.
السؤال المطروح بقوة هو كيف سيتفاعل عامل عمالة سيدي قاسم مع هذا السلوك؟ وهل ستظل وزارة الداخلية تلتزم الصمت أمام ما اعتبره كثيرون إهانة غير مباشرة لرمزية الخطاب الملكي؟ إن عدم اتخاذ أي موقف أو إصدار أي توضيح يخلف انطباعا بأن مثل هذه التصرفات تمر بلا مساءلة، ويكرس لدى الرأي العام فكرة مفادها أن النخب المحلية في مأمن من المحاسبة، حتى عندما يتعلق الأمر بثوابت السيادة ورموز الدولة.
ما حدث في سيدي قاسم ليس حادثا معزولا، بل هو نموذج مصغر لأزمة أعمق تطال جزءا من النخب السياسية، التي وصلت إلى مواقع المسؤولية في غياب تكوين سياسي حقيقي، وفي ظل منطق انتخابي يغلب عليه التوازن العددي أكثر من الكفاءة والالتزام. حين يتحول المنصب إلى غنيمة، لا تعود التفاصيل التي ترمز للانتماء المؤسسي ذات قيمة، ولا يكون الاستماع للخطاب الملكي أولوية في سلم الاهتمامات.
من الضروري اليوم إعادة طرح سؤال الجدية في العمل السياسي المحلي. فإذا كان جزء من المنتخبين لا يدرك دلالة الاستماع لتوجيهات ملك البلاد في مناسبة كعيد العرش، فكيف ننتظر منهم أن يستوعبوا روح النموذج التنموي الجديد، أو أن يلتزموا بتنزيل العدالة المجالية التي دعا إليها الملك نفسه في نفس الخطاب؟ كيف يمكن لرئيس مجلس إقليمي، لم يظهر الحد الأدنى من الانتباه أو الحضور الذهني، أن يقود مشاريع إصلاحية لصالح من انتخبوه؟
قد يكون الفيديو مجرد لحظة عابرة، لكن رسائله عميقة ومقلقة، نعم، هو مرآة لجزء من الخلل البنيوي في العلاقة بين المواطن والمسؤول، بين الخطاب والممارسة، بين الدولة وممثليها. وهي لحظة تعيد إلى الواجهة الحاجة لإعادة النظر في شروط الترشيح، وفي ثقافة النخبة، وفي منطق التزكية الحزبية الذي أفرز لنا وجوها لا تجيد حتى الإنصات.
إن احترام الخطاب الملكي ليس مجاملة، بل هو تعبير عن فهم حقيقي لما يمثله الملك من سلطة دستورية، وما يمثله العرش من رمز للوحدة والسيادة والاستقرار. والسلوك الذي صدر عن رئيس المجلس الإقليمي لسيدي قاسم، إن لم تتم مواجهته بصرامة رمزية، قد يتحول إلى سلوك متكرر يطبع علاقة بعض المسؤولين بمؤسسات الدولة، في غياب الرقابة والمحاسبة.
الصورة التي تداولها المغاربة لم تمر بصمت. لقد فتحت جرحا صغيرا في جسد الثقة المهتز بين المواطن والنخبة، وأكدت مرة أخرى أن الإصلاح لا يبدأ فقط من السياسات، بل من الأشخاص الذين يكلفون بتطبيقها.