منع فيلم سينمائي بسبب مقطع غنائي.. مواقف نقاد تتأرجح بين “التنديد والتفهّم”

وركز بلاغ للمركز السينمائي المغربي على إدراج الفيلم، الحاصل على الجائزة الكبرى للمهرجان الوطني، أغنية للمغنية مريم منتحسان، المساندة للطرح الانفصالي في الصحراء، وليس للمغني فاضول كما هو وارد في السيناريو المحال على المركز ولجنة الدعم، وهو ما اعتبره “خيانة للنص والحوار والصوت المحدد سلفا بسيناريو العمل المرخص له لأسباب مشبوهة من طرف المنتج والمخرج”، كما احتفظ بـ”حقوقه المؤسساتية في مباشرة مسطرة المتابعة القانونية ضد المنتج والمخرج من أجل فعل تغيير وتعديل معطيات ومضمون وحوار وصوت سينمائي وسمعي بصري خارج المقتضيات المؤسسة للترخيصات المنظمة قانونيا”.

وحصل فيلم “زنقة كونتاكت” على دعم عمومي مغربي في سنة 2017، ومنحت رخصة تصويره سنة 2019، وصرف الشطر الرابع من الدعم في سنة 2021، وعرض في القاعات السينمائية، كما حصل على الجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للفيلم في شتنبر من السنة الجارية.

سعيد المزواري، ناقد سينمائي، قال إنه “ضد المنع بصفة عامة، خصوصا المنع لأسباب واهية كما جاء في بلاغ المركز السينمائي المغربي، وتحججه باستبدال أغنيةٍ بأخرى لم يذكرها السيناريو، في حين إن حرية الإبداع أصل الفن بصفة عامة، ويمكن للمخرج أن يستعين بأي أغنية شاء، وأن يغير رأيه حتى في آخر لحظة وفق تطور السيناريو واختياراته الشخصية، فالعمل السينمائي حي ويبقى حيا حتى بعد خروجه، واستقبال المشاهد هو الذي يحكم في آخر المطاف”.

وأضاف المزواري في تصريح لهسبريس: “مع الأسف، هذه أشياء بدهية نجد أنفسنا مضطرين لتفسيرها لأناس يفترض أنهم يمثلون المؤسسة الوصية على الميدان. وفي رأيي، هذا يجسد استمرارية للعبث الذي شهدته الدورة الأخيرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، واستمرارية للاختيارات العشوائية والاعتباطية التي منبعها هذه اليد التي صارت تتحكم عبرها وزارة الثقافة في المركز السينمائي المغربي، وقد حان الوقت لمنح المركز الحرية التي افتقدها شيئا فشيئا منذ رحيل نور الدين الصايل، والتي هي أساس كل هذا العبث”.

بدوره، وصف الناقد السينمائي عبد الكريم واكريم قرار المركز السينمائي بـ”المتسرع والظالم والغبي”، وقال: “هذا الفيلم اتهمته صحافة البوز، التي ليس لها أي اطلاع على السينما، بكونه يضم أغنية لمغنية انفصالية، إضافة إلى كونه يخدش حياء المغاربة، ويتنافى مع التقاليد، وبه كلام نابٍ، ويسيء للبلد”، وهو قرار أعتبر أن ما أثر في اتخاذه “مواقع لا تمت للصحافة الحقيقية بصلة”.

الناقد السينمائي إدريس القري، وصف من جهته بلاغ المركز السينمائي بـ”المفاجئ”، وقال في تصريح لهسبريس: “كان من المنتظر أن يكون للمركز رد فعل مباشرة بعد المهرجان الوطني والنقاش الذي رافقه بين سينمائيين ونقاد وصحافيين، خاصة وأن هذا النقاش كان حول الفيلم الحاصل على الجائزة الكبرى، وكانت مواقف أسماء رصينة واضحة في رفض تشكيلة لجنة التحكيم وطريقة اشتغالها”.

وتابع القري: “مبدئيا، نحن ضد المنع، لكن حرية التعبير، ولا أعني هنا حرية التعبير عن موقف كناشط حقوقي أو جمعوي أو مبدع، لا تعني السماح بمنتوجات… فأن تنتج فيلما، ويخرج للقاعات، وتستفيد من الدعم خارج المغرب (…) وتستفيد من دعم المغرب بشروط وقوانين محددة، ثم تخل بقيم ومقدسات ثقافية وفكرية، علما أني أرفض الاتكال على (الأخلاق)، من حْشومة وحْرامْ، للرقابة على الإبداع، لكن تقديم قدوة سيئة للأجيال الصاعدة والمس بالمجالات التربوية ومعنى الإبداع، يحتاج نوعا من الرقابة”.

وواصل المصرح قائلا: “أهم ما ورد في البلاغ بالنسبة لي هو الحديث عن عدم مطابقة الفيلم من ناحية عنصره المكون الموسيقى لما تم تقديمه في المشروع، فمن شروط من يأخذون دعم الدولة أن يكون المنتوج النهائي مطابقا للمشروع المقدم للجنة التي لها معايير تراقب توفرها”.

وزاد القري: “هناك أيضا مسألة القضية الوطنية الأولى التي صار الموقف فيها واضحا أكثر من أي وقت مضى، لا يمكن السماح للأجنبي بالمس بالوحدة الترابية، فبالأحرى لشاب مغربي، وثبت أن الموسيقى المستعملة في الفيلم لمغنية انفصالية، ولم تكن في المشروع الأصلي الموضوع لطلب الدعم”.

ورأى الناقد في هذا الفيلم “فلتة أصلا، سببها ما يعانيه الحقل السينمائي من فوضى”، ومثالا لـ”الأزمة القيمية والإبداعية، وأزمة معايير العمل، وأزمة معايير تحديد وإسناد الأشخاص الذين يسهرون على توزيع مال دافعي الضرائب والدولة على المبدعين المغاربة”.