فضيحة صفقات الحبوس.. وزارة الأوقاف تطلق طلب عروض غامض يهدد شفافية الاستثمار الفلاحي بالمغرب

في الوقت الذي تعلن فيه الدولة المغربية التزامها بتحسين مناخ الأعمال وتعزيز جاذبية الاستثمار الوطني والدولي، تكشف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن مفارقة صارخة تهدد هذه الأهداف من الأساس، بعد صدور طلب العروض رقم 07/SHA/2025 الخاص باستثمار الأراضي الوقفية “حمرية، البعاجين” و”زاوية بني ماض” التابعتين لنظارة أوقاف وزان.

هذا ويعاني الطلب، الذي تم تقديمه بواجهة تنموية تحت مسمى “شراكة مع القطاع الخاص أو العام”، من خروقات قانونية وإدارية خطيرة قد تنسف مشروعية العملية برمتها، بدءا من دفتر تحملات مرتبك وغير متجانس، مرورا بتناقض فاضح في مكوناته التقنية والمالية، وصولا إلى انعدام أهم شرط قانوني في الصفقات العمومية وهو تحديد موعد فتح الأظرفة.

ولعل أخطر ما ورد في إعلان طلب العروض هو عدم الإشارة إلى تاريخ وتوقيت فتح الأظرفة، وهو ما يعد خرقا مباشرا وصريحا للمقتضيات القانونية المؤطرة للصفقات العمومية، خاصة المادة 17 من مرسوم الصفقات، التي تنص بوضوح على ضرورة إعلان تاريخ وساعة جلسة الفتح أمام العموم لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص، وبالتالي فغياب هذا التاريخ يثير الشكوك حول نية الجهة المشرفة على العملية، ويفتح الباب أمام ممارسات قد تقوض مبدأ النزاهة، بل وتجعل من المسطرة الإدارية مجرد غطاء لإضفاء الشرعية على نتائج محتملة تم ترتيبها مسبقا.

الارتباك لا يقتصر على الإعلان فحسب، بل يمتد إلى الوثائق التقنية نفسها، حيث يفرض “الملحق 2” من الدراسة التقنية على المستثمر تحديد نسب الحبوس والمصاريف الثابتة والمتغيرة بشكل مفصّل، رغم أن هذه المعطيات تدخل ضمن العرض المالي الذي لا يفترض أن يفتح إلا لاحقا، بعد التقييم التقني. أما “الملحق 1” فيكرر نفس المعطيات المطلوبة في جدول الاستثمار، مما يطرح سؤالا حقيقيا حول الغاية من هذا التكرار وما أن كان متعلقا بسوء تدبير تقني أم محاولة لصياغة وثائق على مقاس جهة معينة؟

وفق شهادات حصلت عليها “المستقل”، فإن عددا من المستثمرين المحليين والدوليين، بمن فيهم أفراد من الجالية المغربية بالخارج، قرروا الانسحاب الجماعي من هذه الصفقة بصمت، احتجاجا على غياب الشفافية، والتعقيد الممنهج في الوثائق، وخرق المبادئ القانونية الناظمة لطلبات العروض، حيث قال أحدهم، “لا نطالب بمعاملة تفضيلية، بل فقط باحترام القانون ومبدأ تكافؤ الفرص، إذ كيف يعقل أن نطالب بكشف معطيات مالية داخل ملف يفترض أنه تقني؟ وأين هو تاريخ فتح الأظرفة أصلا؟”

من الواضح أن ما جرى في هذا الملف لا يمكن السكوت عنه، لأنه لا يُهدد فقط سمعة الوزارة، بل يقوّض ثقة المستثمرين في مؤسسات الدولة عموما، خاصة حين يتعلق الأمر باستثمار أراض وقفية يفترض أنها تخدم التنمية المستدامة لا المصالح الضيقة.

وتبدو هذه الصفقة في ظل غياب الشفافية، وانتهاك قواعد المساطر القانونية، فاقدة لأي شرعية قانونية أو أخلاقية، ما يستدعي فتح تحقيق إداري عاجل وإعادة صياغة دفتر التحملات بما يتماشى مع الدستور ومبادئ الحكامة الجيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *