الظهور المفاجئ لرئيس جهة فاس مكناس بمهرجان عيساوة.. هل هو تكريس لمحاولة التوظيف السياسي؟

إذا كانت الأيام الأولى من الدورة الخامسة لمهرجان عيساوة قد كشفت عن إشارات واضحة لمحاولات التوظيف السياسي للحدث من طرف رئيس مجلس جهة فاس مكناس، فإن اليوم الثالث من المهرجان جاء ليمنح تلك المخاوف مزيدا من الشرعية والمعطى الملموس.
ففي مشهد فاجأ المتابعين، ظهر رئيس الجهة بموقع المنصة الرئيسية باب منصور دون أن يكون حضوره مبرمجا رسميا ضمن جدول الفعاليات، وشرع في التقاط الصور وتحية الجمهور، مستثمرا بذلك الفضاء الجماهيري بشكل يعكس محاولة مباشرة لـ”ركوب” الحدث وإعادة تموضع سياسي في واجهة المشهد، خصوصا في غياب تام عن ذات المناسبة لكل من والي الجهة، ورئيس جماعة مكناس، ورئيس مجلس العمالة، ورئيس جماعة المشور الستينية، أي المؤسسات التي شكلت فعليا العمود الفقري لدعم المهرجان ماليا وتنظيميا.
هذا الحضور غير المبرمج يؤكد من جديد حجم الرغبة في “الاستيلاء الرمزي” على هذه التظاهرة الثقافية الناجحة، التي تمكنت هذه السنة من استعادة بريقها، بفضل الرؤية التي قادها والي الجهة عبد الغني الصبار، والدعم المالي الكبير الذي وفرته كل من جماعة مكناس، مجلس العمالة، وجماعة المشور الستينية.
الوقائع اليوم تمنح مشروعية أقوى للتحذيرات التي سبق أن صدرت عن عدد من المتتبعين، والذين نبهوا إلى أن إبقاء التسمية على “الدورة الخامسة” بدل إعادة إطلاق المهرجان في صيغة جديدة ومنظمة من طرف جمعية مغرب الثقافات، لم يكن مجرد خيار شكلي، بل بوابة تركت مفتوحة عمدا لاستمرار تواجد مجلس الجهة، ولو رمزيا، في مشهد لم يكن يوما من بنائه الحقيقي.
فالنسخ الأربع السابقة التي نظمتها الجهة، لم تكن تتجاوز دعما لا يتعدى 50 مليون سنتيم، وكانت تعاني من ضعف التنظيم وهشاشة في الرؤية والبرمجة، بينما ما تحقق في هذه الدورة جاء نتيجة عمل ميداني مكثف، ولقاءات عديدة، ومقاربة تشاركية حرص عليها الوالي الصبار شخصيا لإعطاء الحدث طابعا عالميا حقيقيا يليق بتاريخ المدينة وثقافتها.
لكن ومع ذلك، يبدو أن البعض لم يتخل عن منطق السبق والظهور، ولو في لحظة لا تتطلب من السياسيين أكثر من التراجع خطوة، وترك الفعل الثقافي يقول كلمته.
اليوم، ومع اتضاح معالم هذا “التحرك السياسي غير المبرر”، تبدو الكرة في ملعب الوالي الصبار أكثر من أي وقت مضى، فإما أن يتم ترسيخ مسار جديد مستقل لمهرجان عيساوة، يتم بنائه على أساسات مهنية ومؤسساتية واضحة، أو أن تترك الأبواب مفتوحة أمام محاولات التوظيف الشخصي التي تهدد بتحويل الثقافة إلى مجرد خلفية بروتوكولية لصور عابرة.
والأهم من كل هذا وذاك، أن جمهور مكناس، الذي لم يدخل في هذه الحسابات، اختار أن يمنح تصفيقاته للفن الحقيقي، لا لمن يتسابقون على الواجهة لتوزيع التحايا والتقاط الصور.