قانون المسطرة الجنائية يمرر في قاعة شبه فارغة.. فأين اختفى 333 نائبا برلمانيا؟

في مشهد يفترض أن يجسد أعلى درجات الالتزام الديمقراطي والتمثيلي، صوت البرلمان المغربي على مشروع قانون المسطرة الجنائية، رقم 03.23، بحضور 62 نائبا فقط من أصل 395. رقم صادم لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، خصوصا حين يتعلق الأمر بتشريع يمس جوهر العدالة الجنائية، ويعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في قضايا تمس المال العام، والحريات، والرقابة المجتمعية.
أن يصوت 47 نائبا لصالح النص، ويعارضه 15، دون أي امتناع، في غياب 333 نائبا، لا يعكس فقط خللا في الانضباط البرلماني، بل يكشف عن أزمة أعمق في منظومة التمثيل الديمقراطي، وغياب الجدية في التعاطي مع نصوص قانونية مفصلية.
صحيح أن المسطرة التشريعية استكملت من الناحية الشكلية، بالنصاب المطلوب، لكن الإشكال لا يكمن في الشكل القانوني، بل في المشروعية السياسية والمجتمعية. فحين يتعلق الأمر بقانون أثار جدلا واسعا، وانقسامات سياسية، وتحفظات من جمعيات حقوقية وهيئات مدنية، فإن المصادقة عليه داخل قاعة شبه فارغة يضعف رمزيته، ويطرح تساؤلات حول جدوى المؤسسات التمثيلية في صيغتها الحالية.
المشروع المصادق عليه لم يكن تعديلا تقنيا أو جزئيا، بل مسّ جوهر الإجراء الجنائي، عبر تغييرات في المادتين الثالثة والسابعة، تحد من إمكانية الجمعيات المدنية الترافع في ملفات المال العام، وتقلص مساحة تدخلها في القضايا ذات البعد الرقابي. وهو ما يُعتبر، في نظر عدد من الفاعلين، إعادة هندسة لدور المجتمع المدني داخل المنظومة القضائية، وتراجعا عن منطق المشاركة واليقظة المواطنة.
اللافت أن هذا التغيير الجوهي، ورغم حساسيته، لم يقابل بحضور سياسي ومؤسساتي يليق بثقله، حيث غابت الأغلبية، وتوارى نواب المعارضة، وبدت الجلسة وكأنها تمرين شكلي أكثر منها لحظة تقرير مصيري. وهو ما يعمق الإحساس بأن البرلمان يتحول تدريجيا إلى جهاز تصويت لا إلى فضاء نقاش وتمثيل حقيقي.
الأدهى، أن هذا الغياب يأتي في وقت تزداد فيه الهوة بين المواطنين وممثليهم، وتتصاعد مؤشرات العزوف، وفقدان الثقة في العملية السياسية برمتها. وفي ظل هذا السياق، يُصبح الحضور البرلماني مسؤولية دستورية وأخلاقية، لا مجرد اختيار شخصي.
العديد من الأصوات دعت إلى إحالة القانون على المحكمة الدستورية، ليس بدافع المناورة السياسية، بل من أجل التأكد من مطابقته للدستور والالتزامات الدولية للمغرب، خاصة في ما يخص مبدأ الحق في التقاضي، وحرية الجمعيات، ومكانة المجتمع المدني في الرقابة على الشأن العام.
وإذا كان وزير العدل قد دافع عن المشروع بوصفه رؤية مؤسساتية لتطوير العدالة الإجرائية، فإن المأخذ الأهم يبقى في الطريقة التي مر بها النص والمتمثلة في غياب التشاور العميق، والنقاش العمومي الجاد، والمشاركة البرلمانية المكثفة. فإصلاح العدالة لا يقاس فقط بجودة النصوص، بل أيضا ببيئة إنتاجها، ومناخ الثقة التي تحيط بها.
ما وقع في هذه الجلسة ينبغي أن يكون منطلقا لنقاش وطني صريح حول ضرورة تفعيل مبدأ الحضور الإلزامي في جلسات التصويت على النصوص التشريعية الجوهرية، وإعادة النظر في العلاقة بين الناخب والمنتخب، بما يضمن تمثيلا حقيقيا، ويمنع تمرير القوانين الحساسة في غفلة من الأمة.
لأن الديمقراطية ليست عددا قانونيا، بل شرعية مستمدة من الحضور، والمشاركة، والقدرة على التعبير عن صوت المجتمع في لحظات القرار.