مهرجان عيساوة بمكناس يتألق.. ورئيس الجهة يختصره في صورة انتخابية

تعيش مكناس على إيقاع الدورة الخامسة من مهرجان عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية، التي انطلقت بنجاح لافت من حيث التنظيم والحضور والتفاعل الجماهيري، فمنذ اليوم الأول، بدا واضحا أن المدينة تقبل على لحظة ثقافية خاصة، تعيد إليها نبضها الروحي وتبرز ما تختزنه من رصيد تراثي يجعلها جديرة بأن تكون علامة ثقافية مغربية قائمة بذاتها. ومع تواصل فعاليات المهرجان في يومه الثاني، تتعزز أجواء الاحتفاء والانفتاح، وسط انتظارات متزايدة بدورة استثنائية بكل المقاييس.

ورغم أن وهج المهرجان انصب على الأداءات الفنية والتنظيم المحكم، إلا أن الكواليس لم تخل من ملامح صراع ناعم حول “من له الفضل؟”، و”من يحق له الظهور في الصف الأول؟”، على اعتبار أنه مباشرة بعد انطلاق الفعاليات، بدا أن هناك محاولة واضحة من رئيس مجلس جهة فاس مكناس ومكتبه وأطره الإدارية لاستثمار التظاهرة، وتقديمها كإنجاز خاص بالمجلس الجهوي، في مشهد أثار انتباه المتابعين، وأعاد إلى الواجهة أسئلة طالما تم طرحها حول علاقة الثقافة بالتموقع السياسي.

فالمعطيات المالية الرسمية، المتوفرة لدى الرأي العام، تشير بوضوح إلى أن جماعة مكناس ساهمت بـ250 مليون سنتيم، وجماعة المشور الستينية بـ300 مليون، ومجلس العمالة بـ150 مليون، في حين لم تتجاوز مساهمة مجلس الجهة 100 مليون سنتيم، ورغم هذا الفرق الواضح، فإن الحضور المكثف لرئيس الجهة ومحيطه، والطريقة التي حاول من خلالها إقحام اسم المجلس في المشهد العام، أعطت الانطباع وكأن الجهة هي الممول الأول، بل المنظم الحقيقي للمهرجان.

واعتبر عدد من الفاعلين المحليين أن ما يقع يعبر عن رغبة صريحة في “الاستيلاء الرمزي” على المهرجان، واستغلاله لإعادة تلميع صورة مجلس الجهة ورئيسه بعد ولاية اعتبرت باهتة من حيث الحصيلة، خصوصا في ما يخص مكناس، المدينة التي لم تستفد من مبادرات استراتيجية واضحة من طرفه طيلة السنوات الماضية.

وفي مقابل هذا الحضور السياسي “المنتقى بعناية”، برزت ملامح نجاح مهني حقيقي قاده مدير المهرجان، حاتم بن عبد الكريم، الذي تولى الإشراف على هذه الدورة في مرحلة متأخرة، ورغم ذلك استطاع أن يكسب التحدي، ويوقع على دورة وازنة، بأقل قدر من الضجيج، وأقصى درجات النجاعة.

كذلك الأدوار المفصلية لعبها والي جهة فاس مكناس، عبد الغني الصبار، الذي حرص منذ البداية على أن يتحول مهرجان مكناس إلى علامة ثقافية راسخة تحمل توقيع المدينة، كما هو الحال مع “موازين” بالرباط، و”الموسيقى الروحية” بفاس، و”كناوة” بالصويرة. الصبار، بحسب عدد من المتابعين، كان حريصا على ألا يتحول المهرجان إلى مناسبة سياسية مغلفة بثقافة، بل إلى مشروع قابل للتراكم، تتوحد فيه جهود المؤسسات بعيدا عن منطق السبق والتنافس.

لقد أبانت هذه النسخة عن نقط قوة لا تخفى، لكنها كشفت في الآن ذاته عن هشاشة في التعامل مع الفعل الثقافي لدى بعض المسؤولين، الذين لا زالوا يرون في الثقافة مجرد لحظة ظهور، وفرصة لصناعة “الرصيد الرمزي”، بدل أن ينخرطوا في دينامية حقيقية تسند الثقافة باعتبارها رافعة للتنمية المجالية، والترويج الحضاري.

ويبقى الأهم، في نهاية المطاف، أن مكناس انتصرت لاسمها وتاريخها، وأن جمهورها كان الطرف الوحيد الذي لم يدخل في الحسابات، بل حضر ليصفق للفن، لا للسياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *