بين ثروات السلطة وصمت القانون.. هل يجرؤ وزراء حكومة أخنوش على كشف ممتلكاتهم؟

مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، ووسط أزمة ثقة متزايدة بين الشارع والنخبة السياسية، يتصاعد الجدل مجددا حول ثروات بعض الوزراء وكبار المسؤولين في حكومة عزيز أخنوش. هذا النقاش، الذي ظل لفترة حبيس مواقع التواصل، بدأ يفرض نفسه بشكل أكثر حدة، في ظل الغياب المريب لأي مبادرة رسمية أو طوعية للكشف العلني عن ممتلكات الوزراء وأقاربهم، وخاصة في ظل تأخر إخراج قانون تجريم الإثراء غير المشروع.

حتى أن المواطن لم يعد اليوم يطالب فقط بتحسين قدرته الشرائية أو خفض الأسعار، بل يريد أن يعرف من يحكمه، وماذا يملك، وكيف تغيرت ثروته خلال سنوات المسؤولية، وهو ما يفيد أن هذه  الرغبة ليست نزعة فضول شعبي، بل مطلب سياسي مشروع في سياق ديمقراطي يفترض أن تتم ممارسة الحكم فيه على قاعدة الشفافية والمسؤولية أمام الشعب. لكن إلى حدود الساعة، لم يجرؤ أي وزير في حكومة أخنوش على فتح دفاتره، ولا أحد بادر بنشر تصريح ممتلكاته، ولا حتى تلميحا لما يملكه هو أو زوجته أو أبناؤه.

في المقابل، تتداول مواقع التواصل روايات عديدة عن تضخم ثروات بعض المسؤولين، واستحواذهم على عقارات بمبالغ ضخمة، دون أن يصدر أي توضيح رسمي، لا من المعنيين ولا من الحكومة، ولعل ما يعمق من هذا الغموض، هو أن الحكومة نفسها التي طالما رفعت شعار “الدولة الاجتماعية” وادعت الانحياز للفئات المتضررة، تظهر حساسية مفرطة تجاه أي نقاش يقترب من ممتلكات أعضائها، وكأنها موضوع محظور لا يجب أن المساس به.

فمنذ بداية الولاية، تم توجيه انتقادات حادة لرئيس الحكومة بصفته مالكا لشركة كبرى في قطاع المحروقات، وهو قطاع شهد خلال فترة ولايته ارتفاعا صاروخيا في الأسعار، وتضخما لافتا في هوامش الربح. تقرير مجلس المنافسة كان صريحًا، بمعنى أرباح الشركات تضاعفت، والمواطن وحده من دفع الفاتورة. من هنا، يتقاطع الاقتصاد بالسياسة، وتطرح الأسئلة حول تضارب المصالح بصوت أعلى من أي وقت مضى.

اللافت أن القانون المغربي ينص فعليا على إجبارية التصريح بالممتلكات لدى هيئات رقابية، كالمجلس الأعلى للحسابات، لكن هذه التصريحات تودع في سرية تامة ولا تنشر للعموم. وبالتالي في ظل غياب قانون يلزم بالكشف العلني، يظل الباب مفتوحا أمام الشبهات والتأويلات، وتترسخ لدى الرأي العام قناعة بأن من يملك السلطة يملك معها امتياز الإفلات من الرقابة.

لهذا السبب، يرى كثيرون أن الكشف العلني عن الممتلكات يجب ألا يظل مسألة قانونية فقط، بل يجب أن يصبح ممارسة سياسية وأخلاقية. اذ ما الذي يمنع وزراء حكومة أخنوش من إعلان ثرواتهم أمام المغاربة؟ من يمنعهم من أن يكونوا قدوة لباقي المسؤولين؟ ومن قال إن الشفافية تضعف الثقة؟ على العكس، وحدها المكاشفة تعيد بناء الجسور المقطوعة بين الدولة والمجتمع، وتمنح الممارسة السياسية حدًّا أدنى من المصداقية.

الأمر لا يتعلق فقط بالوزراء، لأن الممتلكات لا تُسجَّل دائما بأسماء أصحابها المباشرين، بل هناك من يفضل تحويلها لأسماء زوجاتهم أو أبنائهم أو أقاربهم، لهذا، فإن كشف الثروة لا يكتمل ما لم يشمل المحيط المالي للمسؤول، خصوصا عندما تكون الشكوك منصبة حول انتفاخات سريعة وغير مبررة في الأرصدة والعقارات منذ توليهم المناصب.

 ويبقى السؤال هو ليس من يملك، بل من يكشف عما يملك، لأن الشفافية ليست تهمة، بل شجاعة. وإن كانت حكومة أخنوش ووزراؤها واثقين من نزاهتهم، فليقدموا للناس وثائق رسمية شفافة، تنشر في مواقعهم الرسمية، أو ترفق بسيرهم الذاتية، كما تفعل الحكومات التي تحترم مواطنيها.

وإذا كان هذا كثيرا، فليكن على الأقل قبل نهاية ولايتهم، حتى لا تتحول نهاية تجربتهم الحكومية إلى بداية شك عميق في صدق وعودهم، فهل يجرؤون؟ أم أن الصمت سيظل عنوان المرحلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *