حرب باردة داخل “الجرار”.. قطيعة بين المنصوري والسكوري تكشف هشاشة التنسيق الحزبي

تشهد كواليس حزب الأصالة والمعاصرة واحدة من أكثر أزماته الداخلية هدوءا من حيث الشكل، وأكثرها عمقا من حيث التأثير، بعد أن وصلت العلاقة بين المنسقة الوطنية للحزب، فاطمة الزهراء المنصوري، ووزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل، يونس السكوري، إلى ما يمكن وصفه بـ”القطيعة التامة”، وفق ما أفادت به مصادر حزبية متطابقة.
ولم تعد تخفي المنصوري تحفظها الشديد على السكوري، زميلها في الحزب والحكومة، إذ أصبح البرود في التفاعل بين الطرفين في الأنشطة واللقاءات الحزبية أمرا جليا للعيان. وقد لاحظ مهتمون بالشأن السياسي المحلي غياب أي تواصل مباشر بينهما خلال مناسبات متعددة، وبرز انسحاب السكوري المتكرر من الفعاليات الحزبية دون تفاعل ملحوظ، ما فسره البعض بأنه تعبير صامت عن أزمة ثقة باتت مستعصية على الترميم.
وعلى الرغم من محاولات السكوري الظهور بمظهر غير المبالي بما يجري داخل الحزب، إلا أن تراجع حضوره في الأنشطة الرسمية الكبرى، وتقلص هامش تأثيره داخل المكتب السياسي، يضعان أكثر من علامة استفهام حول موقعه داخل قيادة “الجرار”. مصادر مقربة من الوزير تصف الوضع بأنه “إقصاء ناعم”، يكشف عن رغبة صامتة لدى قيادة الحزب في تقليص نفوذه، دون اللجوء إلى مواجهة مباشرة قد تفتح باب الخلافات على مصراعيه.
هذا الأسلوب “الرمادي” في تدبير الخلافات الداخلية، يذكر بعض المراقبين بما حدث مع الراحل محمد الوفا، حين قرر البقاء في الحكومة رغم انسحاب حزب الاستقلال منها، وهو ما أفرز لاحقا عزلة سياسية مشابهة. وبالنسبة لحالة السكوري، فإن التوجه العام داخل الأصالة والمعاصرة يبدو أنه يميل إلى احتوائه دون تمكينه من أي أدوار استراتيجية داخل التنظيم.
وتشير مصادرنا إلى أن جذور هذا التوتر تعود إلى سنوات سابقة، لكنها تصاعدت بشكل حاد مؤخرا بعد توقيع السكوري لخارطة طريق التشغيل مع رئيس الحكومة دون إشراك هياكل الحزب أو التنسيق معها، وهو ما اعتبر تجاوزا غير مقبول للضوابط التنظيمية و”خرقا للانضباط السياسي”.
كما ساهمت تحركات السكوري داخل الوزارة في تعميق الأزمة، خاصة بعد محاولاته تقليص صلاحيات كاتب الدولة في التشغيل، هشام صابري، المنتمي بدوره إلى الحزب، ما اعتبره البعض خطوة لإقصاء صوت حزبي آخر وتقوية سلطته داخل الوزارة، بعيدًا عن منطق التنسيق الحزبي والحكومي.
في ظل هذا الوضع، تبقى الأزمة الحالية داخل الأصالة والمعاصرة عنوانا جديدا على التحديات البنيوية التي يواجهها الحزب في ضبط توازناته الداخلية، وسط تحالف حكومي يتطلب انسجامًا أكثر مما تظهره كواليس “القطيعة الصامتة”.