فؤاد السعدي يكتب.. القانون على الجميع إلا الوزير

في سياق وطني يتصاعد فيه الحديث عن الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تفجرت مؤخرا قضية أثارت اهتمام الرأي العام، بطلها وزير العدل الحالي عبد اللطيف وهبي، بعد تداول معطيات تشير إلى تصريحه بقيمة عقارية غير مطابقة للواقع، وهو ما يعد، إن تأكد، خرقا واضحا للقانون الضريبي وللفصل 39 من الدستور المغربي، الذي يلزم الجميع بالمساهمة العادلة في التكاليف العمومية.

المقلق في هذه القضية ليس مضمونها فقط، بل الصمت الذي رافقها للأسف الشديد، فرغم أن الأمر يتعلق بشخصية من المفروض أن تكون نموذجا لاحترام القانون، لم يصدر عن الحكومة أي توضيح، ولم تعلن أي مؤسسة عن فتح تحقيق إداري أو قضائي حتى الآن.

والمفارقة الصادمة أن الشكوك تحوم حول رأس مؤسسة العدل نفسها، على اعتبار أن أي تهاون في المعالجة لا يعني فقط الإخلال بالواجب، بل يضرب في العمق مبدأ المساواة أمام القانون، ويعرض ثقة الناس في المؤسسات إلى مزيد من التآكل، ويرسل رسالة مفزعة مفادها أن الإفلات من العقاب جائز، بشرط أن يكون الشخص موضوع المتابعة “رفيعا بما فيه الكفاية”.

وحتى ولو لم تكن قضية وهبي حالة فريدة من نوعها في العالم إلا أن الفرق دائما في رد الفعل. ففي فرنسا، استقال وزير الميزانية “جيروم كاهوزاك” سنة 2013 بعد اكتشاف حساب بنكي سري بالخارج، أما في ألمانيا، فقد اضطر الرئيس “كريستيان وولف” إلى التنحي بسبب امتيازات مالية أثارت الشبهات، كذلك بالسويد، غادرت وزيرة الهجرة منصبها بعد استخدام أموال حكومية في نفقات شخصية. ويبقى القاسم المشترك بين هذه النماذج جميعها هو أن المحاسبة كانت فورية، والموقف السياسي والأخلاقي سبق الإدانة القضائية.

نعم، هذا ما يميز الدول التي تحترم مؤسساتها حيث لا يتم مناقشة مبدأ المحاسبة، بل يطبق تلقائيا حين تثار شبهات تمس الشفافية والنزاهة، كما لا يتم انتظار إثبات التهم بالدليل الجنائي، بل يكفي أن تهتز المصداقية الأخلاقية للشخص المعني، كي تتحرك الدولة للحفاظ على صورتها.

أما في الحالة المغربية، فإن أي تماطل أو تهوين من خطورة الموضوع، خصوصا حين يتعلق بشخص مسؤول عن “العدالة”، يفقد الدولة ما تبقى من الثقة، ويفتح الباب أمام ترسيخ فكرة أن المحاسبة لا تشمل الجميع، وأن القانون مجرد أداة انتقائية يتم تطبيقها حسب المقام والمنصب.

وهنا لا يمكن للضمير العام أن يظل صامتا، في حضرت هذه الأسئلة الحارقة، وهو كيف يمكن لوزير العدل أن يظل على رأس مؤسسة يفترض أن تكون حارسة للشرعية، وهو في نفس الوقت متهم بالتحايل على القانون الضريبي؟ بأي وجه حق تلاحق إدارة الضرائب مواطنا بسيطا أخطأ أو تأخر في التصريح، إذا كانت تغض الطرف عن مسؤول صرح بأقل من عشر الثمن الحقيقي لعقار؟ ولماذا إلى حدود الساعة لم يتم فتح أي تحقيق إداري أو قضائي في هذه المعطيات؟ من يملك الجرأة على محاسبة الوزير؟ ومن يملك سلطة الصمت؟ هل نخشى طرح الأسئلة لأن اسم المتورط ثقيل؟ أم لأننا نعلم مسبقا أن شيئا لن يتغير؟ وإذا كانت الشفافية مجرد شعار يرفع، فهل أصبح التهرب الضريبي امتيازا سياسيا يتم منحه مع الحقيبة الوزارية؟ وأين رئيس الحكومة من كل هذا؟ هل بلع لسانه؟ أم أن صمته هو الوجه الآخر للتواطؤ؟ وهل ما نعيشه فعلا هو دولة مؤسسات، أم نظام امتيازات متنكر في قشرة القانون؟

صحيح لا أحد فوق المساءلة، كما أن لا أحد محصن من المحاسبة، فإن كنا نريد دولة مؤسسات فعلاً، فهذه اللحظة اختبار حقيقي، فإما أن يتم تفعيل قواعد الشفافية، وإما نقر ضمنا بأن “الوزير المعفي من الضريبة” هو الوجه الحقيقي للمؤسسة.

الأكيد، لا يُمكن خداع الزمن ولا مغالطة الوعي الجمعي إلى الأبد، على اعتبار أن التاريخ لا ينسى، والمجتمعات التي تتواطأ مع الإفلات من العقاب حين تكون الفرصة سانحة للمحاسبة، تدفع لاحقًا ثمنا باهظا من رصيدها الأخلاقي، وتمهد، من حيث لا تدري، لانهيار تدريجي في ثقة الناس بالمؤسسات، وفي أسس الدولة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *