خطير.. ملايين تهدر في الظلام.. تعثر مشروع شارع فريد الأنصاري بمكناس يفضح اختلالات صادمة

المستقل | فؤاد السعدي

وسط دهشة واستياء متزايدين، يواصل مشروع تهيئة شارع فريد الأنصاري بمكناس تعثره الغامض، رغم ما يمثله من أهمية استراتيجية في البنية الطرقية والحضرية للعاصمة الإسماعيلية، هذا المشروع الذي قدرت كلفته الإجمالية بما يفوق 48.4 مليون درهم، كان يفترض أن يكون أحد النماذج الناجحة في تأهيل المحاور الكبرى بالمدينة، إلا أن الأشغال توقفت بشكل مفاجئ، وسط صمت رسمي مطبق من الجهات المعنية، مما فتح الباب أمام الشكوك والتأويلات، وطرح أسئلة جوهرية حول أسباب هذا التوقف، والمسؤوليات المترتبة عليه.

فالأشغال التي انطلقت في عهد المجلس الجماعي السابق، تحت إشراف مباشر من نائب الرئيس المكلف بقطاع الأشغال العمومية والإنارة آنذاك، شملت إعادة هيكلة شارع بطول 4.5 كيلومترات، يمتد من شارع بئر أنزران إلى شارع العياشي، وكان من بين أهم مكوناته تثبيت 350 نقطة ضوئية بتقنية LED عالية الفعالية، إلى جانب تهيئة الأرصفة والممرات والمدارات، وتركيب أثاث حضري حديث، وتشوير طرقي متكامل. غير أن الواقع الميداني يكشف عن تفاوت صارخ بين ما تضمنه دفتر التحملات، وما تم تنفيذه فعليا على الأرض. فالأعمدة الكهربائية التي تم تثبيتها لا تحترم المقاييس التقنية المفروضة، والمصابيح المعتمدة ليست فقط ضعيفة من حيث الأداء، بل لا ترقى حتى إلى المعايير الجمالية المطلوبة في مشروع بهذا الحجم.

فضلاً عن ذلك، فإن العديد من الأعمدة لا تشتغل إلى اليوم، ما يحوّل الشارع ليلا إلى فضاء مظلم في عدة مقاطع، وهو ما يقوض مبدأ السلامة الطرقية، خصوصًا في منطقة تعرف حركة مرورية كثيفة وسكنية مرتفعة. أما الكراسي والأثاث الحضري، فقد بدت ردئية الصنع ولا تستجيب لأي من شروط المتانة أو الجمالية التي تشكل جزءا أساسيا من قيمة المشروع. كما أن الأرصفة كذلك تعاني من تشققات، وتم استعمال مواد بناء ذات جودة ضعيفة، بحسب ما رصدته شهادات متطابقة من الساكنة والمارة.

الأخطر في هذا الملف لا يتجلى فقط في غياب الجودة أو ضعف المتابعة، بل في الإخلال بالمساطر القانونية التي تحمي الجماعة وتضمن لها حقوقها. فإلى حدود الساعة، لم يتم تفعيل مرحلة التسليم المؤقت (réception provisoire)، وهي المحطة القانونية التي تطلق فعليا مدة الضمان التقني، والتي يمكن خلالها إلزام الشركات بإصلاح أي عيوب أو أعطاب تظهر بعد التنفيذ، وبالتالي فإن استمر التأخر في تفعيل هذا الإجراء، فإن الجماعة قد تفقد حقها في المطالبة بجبر الضرر، خاصة أن الشركات من حقها التنصل من المسؤولية بانتهاء مدة الضمان، ما يعني ببساطة أن أي خلل في الإنارة، أو اهتراء في الأرصفة، أو تدهور في الأثاث الحضري بعد الآن، قد لا يلزم المقاولات بأي إصلاح، مما يمثل خسارة مزدوجة للمال العام وجودة الخدمة.

في ظل هذه الوضعية، تبرز تساؤلات محورية حول دور المجلس الجماعي السابق خصوصا النائب المكلف بقطاع الأشغال وقتها، ومدى قيامه بمراقبة الأشغال، وتوثيق الملاحظات التقنية، وتحرير المحاضر الضرورية لمساءلة الشركات المكلفة. كما أن الصمت الحالي للمجلس الجماعي برئاسة عباس الومغاري ونائبه الحالي المفوض له تدبير قطاع الاشغال والانارة محمد البختاوي يثير علامات استفهام إضافية، خاصة أن الرأي العام المكناسي يطالب بالشفافية والمحاسبة، لا سيما حين يتعلق الأمر بملايين الدراهم التي خرجت من الميزانية دون نتيجة ملموسة على الأرض.

ومع تزايد الضغط الوطني لتأهيل البنية التحتية تحضيرًا لكأس العالم 2030، لا يعقل أن تستمر مشاريع محلية بهذا الحجم في التعثر، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون هذه الورشات عنوانا للنجاعة والسرعة وجودة الإنجاز، على اعتبار  أن مشروع شارع فريد الأنصاري لم يكن مجرد صفقة عمومية، بل كان وعدًا حضريا بمساحة خضراء، وبإنارة حديثة، وبممرات آمنة، وبتجهيزات حضرية تليق بمدينة بحجم مكناس.

لذلك، فإن فتح تحقيق رسمي من طرف وزارة الداخلية بات ضرورة ملحة، وليس مجرد خيار، من أجل تحديد مكامن الخلل، وتبيان إن كانت هناك اختلالات في التتبع التقني، أو تفاوتات في التنفيذ، أو حتى تلاعبات تعاقدية تفرض المساءلة القانونية. فالمشاريع الكبرى لا تنجز من أجل البلاغات الصحفية والصور الرسمية، بل لخدمة المواطن، وتحقيق العدالة المجالية، وأي تقصير في هذا الإطار هو تفريط مباشر في المال العام، وضرب لثقة المواطنين في مؤسساتهم.

ونظرا لأهمية هذا المشروع في الوعي المكناسي، ولمتابعة الساكنة الدقيقة لمختلف تفاصيله، سنخصص في قادم الأسابيع سلسلة مقالات تفصيلية لتفكيك هذا الملف، والوقوف على كل المعطيات التقنية والإدارية التي واكبته منذ انطلاقه، لأن المواطن المكناسي ليس غريبا عمّا جرى، ولا يقبل أن يغلف الغموض ملفا بهذا الحجم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *