طنجة: مواطن يدفع غرامة لأنه تجرأ وركن أمام بيته.. عن أي وقاحة إدارية نتحدث؟

لم تعد مدينة طنجة اليوم تعاني فقط من فوضى السير أو ضعف التخطيط، بل باتت تعيش حالة استعمار مقنع للملك العمومي، تقوده شركات التدبير المفوض تحت أنظار جماعة أصبحت تتعامل مع الساكنة كأرقام في دفتر الجبايات. ولعل آخر فصول هذه المهزلة هو واقعة مواطن يتلقى غرامة لأن سيارته مركونة أمام بيته. نعم، أمام بيته. لا في شارع عمومي، ولا في موقع استراتيجي، ولا حتى في مرفق تجاري، بل أمام منزله.
المخالفة رقم 25CV225، والمُحرّرة يوم 16 يوليوز، ليست فقط وثيقة إدارية، بل شهادة على الوقاحة الباردة التي صارت تُمارس باسم القانون. فالعون الذي حرر المخالفة لم يرتجف وهو يدوّنها، ولا يبدو أن المسؤولين في الجماعة يستشعرون أي حرج، لأنهم ببساطة سلّموا المدينة لشركة همها الوحيد كم ستحصد من “التذكرة في اليوم”، أما الساكنة؟ فليذهبوا للركن في السماء.
ما يحدث ليس مجرد خطأ إداري؟ بل اعتداء صريح على الحق في السكن، وعلى حرمة الفضاء الشخصي، وعلى معنى أن تكون مواطنًا. وبالتالي أن يتم إجبارك على الدفع مقابل الوقوف أمام منزلك، فهذه قمة العبث، وهي إهانة صريحة لا تحتمل أي تبرير، مهما كان الغلاف القانوني الذي تُقدّم تحته.
القرار التنظيمي 1357/2022، الذي قالت الجماعة إنه جاء من أجل “الشفافية والعدالة المجالية”، تحوّل بعد دخوله حيز التنفيذ إلى فخ إداري خبيث يُطبق على رقاب الطنجاويين بلا رحمة، حيث صارت الشوارع تُعلن مؤدى عنها دون إشعار، الأحياء تُخضع قسرًا للمخطط، والساكن مطالب أن يدفع ثمن كل توقف، حتى وإن كانت سيارته مهترئة لا تغادر الزنقة أصلًا.
أسوأ من هذا كله، أن الجماعة لم تُكلّف نفسها حتى بشرح الوضع، ولا باقتراح بطاقات للساكنين كما يحدث في العواصم الحضارية، بل تُمارس صمتًا جبانًا وتواطؤًا واضحًا مع شركة تستغل سلطتها وتحول الحي السكني إلى حقل صيد يومي للغرامات.
نحن لسنا ضد التنظيم، ولا ضد عقلنة استخدام الملك العمومي، لكننا ضد أن يُعامل المواطن كأنه عدو في مدينته، ضد أن تتحول الإدارة إلى خصم لا شريك، وضد أن تُفرَض علينا قرارات جبائية متستّرة تحت يافطة “خدمة حضرية”.
إذا كانت جماعة طنجة تعتبر هذا سلوكًا عادياً، فعليها أن تعلم أنها تؤسس لمرحلة من التوتر الاجتماعي الصامت، وتُعيد إنتاج العداء بين المواطنين ومؤسساتهم، وبالتالي إذا لم تتم مراجعة هذه المهزلة، فسيأتي يوم تُحاصر فيه الشركة ليس بسيارات المواطنين، بل بغضبهم.
ما حدث في زنقة نوفيل ليس مجرد غرامة عادية، بل صفعة تُوجَّه لكل من يعتقد أن المواطنة كرامة، لا تذكرة مؤداة مسبقًا.