مشاريع الحبوس تحت المجهر.. هل تُفصّل طلبات العروض على مقاس المستثمرين المقرّبين؟

بين الحين والآخر، تطلق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عبر خلاياها الجهوية طلبات عروض لمشاريع استثمارية، من بينها المشاريع الفلاحية التي تدخل ضمن أراضي الأوقاف أو ما يُعرف بـ”أراضي الحبوس”. والظاهر أن هذه المبادرات تُقدَّم بصيغة تنموية جذّابة، لكنها في العمق تكشف عن ثغرات قانونية وإدارية صارخة، تقف عائقًا حقيقيًا أمام المستثمرين الجادين، سواء المحليين أو الأجانب.
واحدة من أحدث هذه المحطات تمثّلت في طلب العروض رقم 7/SIPHA/2025، المتعلق بالبقعتين الفلاحيتين “حمرية البعاجين” و”زاوية بني ماض”. فعلى الرغم من الاهتمام الذي أبداه عدد من المستثمرين بهذا المشروع، إلا أن غالبية المهتمين، ومنهم مغاربة من الداخل والخارج، اختاروا الانسحاب الجماعي بصمت، والسبب باختصار شديد هو وجود دفتر تحملات مرتبك، وغامض، بل ومتناقض أحيانًا.
وتبقى أول الملاحظات الجوهرية هي التي تتعلق بـ”الملحق 2″ من الدراسة التقنية، الذي يُلزم المستثمر بتفصيل نسبة الحبوس في المشروع لعشر سنوات، في نفس الوقت الذي يُطلب فيه جدول دقيق للمصاريف المتغيرة والثابتة، بما فيها السومة الكرائية المقترحة. فبالرغم أن هذه البيانات تُفترض ضمن العرض المالي، نجدها مطلوبة في الملف التقني، وهو ما يُفقد عملية التقييم مبدأ الحياد والسرّية، ويحوّل المسار التقني إلى بوابة تمهيدية لاختيار العرض المالي قبل فتح أظرفته أصلاً.
الأمر لا يقف عند هذا الحد فقط، بل حتى بـ”الملحق 1″ في الملف التقني يُكرّر ما هو مطلوب أيضًا في جدول الاستثمار، هو ما يجعلنا نطرح تساؤلًا صريحًا بخصوص الغاية من تعدد هذه الوثائق التنظيم؟ وهل هذا التعقيد غايته إقصاء من لا يتوفر على معرفة مسبقة بتفاصيل المشروع المحسوم؟
عدد من المستثمرين الذين انسحبوا من هذا الطلب عبّروا عن إحباطهم الصريح لهذه الممارسات بالقول، “لسنا ضد المنافسة، بل نطالب فقط بتكافؤ حقيقي للفرص”، قال أحدهم، قبل أن يُضيف، “كيف يمكن الحديث عن شفافية، ونحن نُطالب بإدراج أرقام حساسة في ملف يُفترض أنه لا يُفتح إلا بعد التقييم؟”
الأخطر في كل هذا هو الانطباع الراسخ بأن بعض ملفات الاستثمار تُصاغ لأسماء بعينها، أو يتم تفصيلها على مقاسات معينة، حيث يُطلب من باقي المتنافسين أن يخوضوا مباراة محسومة النتائج سلفًا.
فإذا كانت وزارة الأوقاف تتباهى بإطلاق مشاريع مدرّة للدخل واستثمار أراضي الحبوس، فإن المسؤولية تفرض عليها أولًا أن تُقدّم نماذج محترمة لحكامة جيدة، وأن تضمن الحد الأدنى من الوضوح والإنصاف في مراحل الانتقاء.
الأكيد اليوم أنه لايمكن في دولة ترفع شعار الاستثمار وتُراهن على جلب الكفاءات المغربية من الخارج، أن يُقبل أن تنفرز ملفات بمواصفات يتم الاقصاء فيها قبل أن التقييم، ووبالتالي إرباك المستثمر بدل أن طمأنته.
إن تكافؤ الفرص ليس رفاهًا إداريًا، بل ركن دستوري، وأي إخلال به يجعل من أي مشروع، مهما كانت أهدافه، مجرد تمرين بيروقراطي فاقد للشرعية الأخلاقية.
من هنا، فإن إعادة النظر في هذا الطلب، وغيره، ليس فقط مطلبًا تقنيًا، بل ضرورة أخلاقية، إن كانت وزارة الأوقاف تسعى فعلاً لإرساء الثقة في مشاريعها، لا تسويقها فقط.