فؤاد السعدي يكتب: مونديال 2030.. من سيرفع الكأس ومن سيدفع الفاتورة؟

من يسمع بعض المسؤولين وهم يتحدثون عن كأس العالم 2030، يخال أن المغرب على أبواب معجزة اقتصادية، وعود بالنمو، وانخفاض البطالة، وإشعاع دولي، وتدفقات مالية وأشياء أخرى، بل يكاد يُخيّل إلينا أن تنظيم حدث رياضي حتى ولو بحجم المونديال، سيصلح ما لم تُصلحه عقود من السياسات التنموية المختلة. ويبقى  الواقه مع كل هذا أكثر تعقيدًا لأن الأرقام والمعطيات على الأرض، للأسف، لا تكذب.

حين صرّح فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أن تنظيم كأس العالم سيقود المغرب إلى معدل نمو بـ6% ويخفض البطالة، لم يكن يقدّم دراسة تقنية أو رؤية اقتصادية شاملة، بل كان يمارس تسويقًا سياسيًا في ثوب تنموي، ولعلّ الأخطر في مثل هذه التصريحات، ليس فقط غياب الواقعية، بل تحويل حدث استثنائي وعابر إلى غطاء ناعم لفشل مستمر في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.

اليوم نحن أمام مقاربة تُشبه كثيرًا ما فعلته حكومات أخرى في لحظات حرجة وهي، اللجوء إلى الرمزية الكبرى لتغطية الأعطاب الحقيقية والبنيوية. وهنا نطرح السؤال وبكل تجرد، هل يُعقل أن يُعوّض كأس العالم ما لم تنجح فيه إصلاحات التعليم، ومخططات التشغيل، وبرامج الجهوية المتقدمة؟

لنكن واضحين، الحدث في حد ذاته ليس موضع خلاف. بل على العكس، على اعتبار أن تنظيم كأس العالم هو مصدر فخر واعتراف دولي بكفاءة المغرب وقدرته التنظيمية، لكن الإشكال يبدأ عندما يُحوّل هذا الفخر إلى وهم اقتصادي جماعي، يُستخدم لتهدئة التوتر الاجتماعي وتمرير خيارات اقتصادية مكلفة دون نقاش عمومي نزيه.

لأنه حين نتحدث عن ضخ استثمارات بمليارات الدراهم، معظمها عبر الاقتراض، فلا بد من طرح سؤال العدالة الاقتصادية، بمعنى، من سيجني فعليًا ثمار هذه المشاريع؟ على اعتبار أن تجارب الماضي تُظهر أن المستفيد الأول من مثل هذه التظاهرات هم كبار المقاولات، وشركات الاستيراد، والفنادق الفخمة، وبعض الفاعلين في القطاع السياحي والنقل الجوي، بالمقابل الفئات الهشة، وسكان القرى والمناطق المهمشة، فلن يصلهم سوى الفتات، هذا إن وصَل.

الوظائف التي يُراهن عليها البعض، غالبًا ما تكون فرصًا ظرفية في أوراش البناء والمرافق، تنتهي مع آخر صافرة في آخر ملعب، في المقابل، يبقى الدين العمومي قائماً، وتبقى فاتورة ما بُني قائمة، تتحملها الأجيال القادمة.

صحيح أن المونديال سيمنح المغرب صورة براقة في الإعلام الدولي، لكن هذه الصورة لا تعني شيئًا إذا لم تُصحّح صور الداخل من مدرسة عمومية تعاني، ومستشفيات مكتظة، وشباب عاطل بلا أفق، وفوارق جهوية صارخة. فهل نحتاج إلى الترويج لصورة تُجمّل الواقع، أم إلى إصلاح الواقع حتى يُسوّق نفسه بنفسه؟

الأسوأ أن يتحول الخطاب الرسمي إلى لغة انتصارية متعجرفة، تتجاهل هشاشة السياق الاجتماعي والاقتصادي، وتتعامل مع أي مساءلة على أنها تشويش أو عدميّة، في حين أن النقاش الحقيقي اليوم ليس هل ننظم المونديال، بل، كيف نُديره؟ من يراقب؟ ومن سيحاسب؟

بعد نهاية الحدث، ستختفي الكاميرات، وتُطوى الأعلام، وتعود الحياة إلى رتابتها، حينها، سيكون السؤال المؤلم هو، ماذا تحقق فعليًا؟ هل تم تحسين ظروف عيش المواطنين؟ هل صارت المدن أكثر عدلاً؟ هل انخفضت البطالة فعلاً؟

الجواب عن هذه الأسئلة لا يأتي عبر الخطابات، بل من الواقع، فإما أن نُحوّل الحدث إلى منصة إصلاح، أو نُعيد سيناريو اليونان والبرازيل، ونتحوّل من بلد يُنظم بكفاءة، إلى بلد يدفع الفاتورة بهدوء.

كأس العالم مشروع وطني كبير، نعم، لكن لا يجب أن نخلط بين أهمية الحدث وقدسيته، ولا بين فرصه الممكنة وقدراته الواقعية. فإذا أردنا أن نُراهن على 2030، فلنراهن عليه كأداة داخل مشروع تنموي حقيقي، لا كقناع يُخفي هشاشة السياسات، لأننا نريد المونديال فرصة لا خدعة، نريد المونديال نقطة انطلاق لا مهرباً من الحساب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *