غليان داخل قطاع النقل واللوجستيك بسبب إقصاء الموظفين وتجميد الحوار وتفاقم الاختلالات الإدارية

يعيش قطاع النقل واللوجستيك على وقع احتقان متصاعد وتذمّر واسع في صفوف الموظفين والأطر، على خلفية تعليق الانتخابات المهنية داخل اللجان الثنائية المتساوية الأعضاء، في خرق صريح لمبدأ الديمقراطية التشاركية التي لطالما نادت بها وزارة النقل في خطابها الرسمي. فبعد وعود أطلقها الوزير محمد قيوح بتنظيم هذه الانتخابات، فوجئ الموظفون بإلغائها، مقابل اللجوء إلى التعيين المباشر داخل اللجان، ما فُهم على أنه تكريس لهيمنة الإدارة على مؤسسات التمثيلية الداخلية، ومصادرة واضحة لحق الموظفين في المشاركة وتقرير مصيرهم المهني.

وحسب مصادر مهنية مطلعة، فإن القطاع يعيش شللاً واضحًا في الحوار القطاعي، بعدما كانت النقابات تأمل في تفعيل مخرجات اللقاءات السابقة، خصوصًا تلك التي نظمها الوزير قيوح في سياق موازٍ للحوار الاجتماعي خلال أبريل الماضي. غير أن الوزارة، بحسب ذات المصادر، فضّلت سياسة الانفراد بالقرارات وتجميد الالتزامات السابقة، في تجاهل تام لمطالب مشروعة سبق وأن تم التفاهم بشأنها.

وعبرت النقابات، وفي مقدمتها الاتحاد المغربي للشغل، عن استيائها العميق مما سمّته بـالمناورات المتكررة للوزارة لربح الوقت وامتصاص الغضب دون نية حقيقية للإصلاح. واستدلت على ذلك بتجميد تنفيذ عدد من الملفات التي تم الحسم فيها داخل وزارة التجهيز والماء، مثل ترقية الموظفين وفق معايير واضحة، وتوقيع مذكرات مرجعية، وتسوية ملفات الانتقالات، وتقليص التفاوتات في التعويضات بين المصالح المركزية والجهوية.

وما زاد الطين بلّة، وفق نفس المصادر، هو تأجيل تسوية عدد من الملفات العالقة، وعدم التفاعل مع انتظارات الموظفين إلى غاية اليوم، رغم اقتراب العطلة الصيفية. وهو ما أعاد إلى الأذهان ممارسات سابقة، عرف بها عهد وزراء سابقين، كانت تُقابل فيها مطالب الموظفين بالتجاهل أو التسويف.

على صعيد موازٍ، تفجّرت انتقادات حادة في وجه مؤسسة الأعمال الاجتماعية للأشغال العمومية، بسبب رفضها نشر لوائح المستفيدين من خدمة الاصطياف العائلي، بدعوى حماية المعطيات الشخصية. المكتب الوطني لنقابة موظفي النقل اعتبر هذا الرفض ضربًا في مبدأ الشفافية وتعتيما غير مبرر، مؤكدًا أن مؤسسات أخرى، من قبيل وزارتي المالية والشباب، تنشر لوائح المستفيدين علنًا دون أي إشكال.

وأعلنت النقابة عن تعليق مشاركتها في جولات الحوار الاجتماعي، محمّلة المسؤولية للمؤسسة وللوزارة التي فشلت، في نظرها، في فرض الشفافية داخل أجهزة الأعمال الاجتماعية، وفي دفعها لاحترام الحد الأدنى من حق الموظفين في معرفة معايير الاستفادة من الخدمات الاجتماعية التي تُموّل من اقتطاعاتهم.

في السياق نفسه، تواصل النقابات مطالبتها بتسريع مجموعة من الملفات الحيوية، من بينها: إجراء الامتحانات المهنية بشفافية، فتح باب التباري على مناصب المسؤولية لجميع الفئات، تسوية ملفات الترقية لسنوات 2022 و2023، الرفع من قيمة التعويضات الجزافية والفعلية، وتوفير الحد الأدنى من وسائل الاشتغال اللوجستيكية والمكتبية في المصالح الخارجية.

ومن بين المطالب الملحة، أيضًا هو توفير وسائل النقل والإيواء للموظفين خلال المهمات الرسمية، وإصدار بطاقة مهنية خاصة بموظفي القطاع، ومعالجة قضايا التحرش والتضييق الإداري داخل المؤسسات، والرفع من المناصب المالية خلال قانون المالية القادم.

الأمر لم يقف عند حدود الإدارة، بل امتد إلى ما بات يُعرف داخل الوزارة بـ”الانقلاب على دور مديرية النقل”، حيث أُسندت، بشكل غير مسبوق، ملفات حساسة إلى محامٍ خاص خارج الوزارة، في سابقة أثارت استياء عارمًا وسط المهنيين. كما سُجلت اختلالات خطيرة في تعديل مواقيت انطلاق الحافلات من المحطات الطرقية، حيث يُتداول أن “المحظوظين والمقرّبين” فقط هم من ينالون حظوة التأشير على التعديلات، في تغييب تام لمعايير الشفافية والمؤسساتية.

هذه التطورات، وفق المتابعين، تُضعف الثقة بين الموظفين وإدارتهم، وتُكرّس شعورًا عامًا بأن القطاع يسير بدون بوصلة إصلاحية واضحة. كما يطرح الواقع الحالي سؤالًا صريحًا حول مدى وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الوزير قيوح لمعالجة أعطاب القطاع، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون امتدادًا لسنوات من التردد الإداري والتدبير الرمادي للملفات الاجتماعية والمهنية.

في ظل هذا الوضع، يبدو أن الكرة أصبحت في ملعب الوزارة، فإما إنقاذ الحوار الاجتماعي داخل قطاع النقل واللوجستيك، وإما تعميق أزمة الثقة مع موظفيها وممثليهم، وهي أزمة، إن استمرت، ستنعكس لا محالة على جودة المرفق العمومي وخدمة المواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *