هل آن أوان هدم “أسطورة الأئمة الأربعة الكبار”؟ رشيد أيلال يعود بفتاوى تهز الثوابت

عاد الكاتب والباحث المغربي المثير للجدل رشيد أيلال إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، بتدوينة نارية نشرها على حسابه الشخصي بموقع فيسبوك، أثار فيها قضية قديمة متجددة تتعلق بـ”تراث الفقه الإسلامي”، وهذه المرة من زاوية صادمة أثارت استنكارًا واسعًا، وتشجيعًا في المقابل من تيار ينتقد ما يُوصف بـ”التراث الديني التقليدي”.
وقال أيلال، الذي عُرف بكتابه “صحيح البخاري.. نهاية أسطورة”، إن بعض الأئمة الكبار في الفقه الإسلامي أفتوا بفتاوى وصفها بـ”الشاذة واللا إنسانية”، مشيرًا إلى الإمام الشافعي الذي “أجاز زواج الرجل من ابنته غير الشرعية”، ومالك الذي “لم يُبطل حج من وطأ بهيمة”، وأبو حنيفة الذي “لم يوقع الحد على من تزوج أمه المملوكة”، وابن حنبل الذي “أجاز استخراج المني بيد طفلة بسبب الشبق في رمضان”، ليختتم تدوينته بالقول: “هؤلاء كانوا يحتاجون مصحات للطب العقلي والنفسي”.
التدوينة سرعان ما أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، وخلقت تفاعلاً واسعًا بين منتقدين غاضبين ومؤيدين يَرَون في أيلال صوتًا تحرريًا يكسر “تابوهات فكرية موروثة”. وبينما اعتبر كثيرون ما قاله “تجنيًا غير موثقًا على رموز الإسلام”، رأى آخرون أنه يسلط الضوء على “نصوص صادمة” بحاجة إلى إعادة نظر علمية.
مستخدم يُدعى “فنيلي” تساءل، “ألا يوجد احتمال أن هذه الفتاوى أضيفت إليهم؟ لا شيخ عاقل يمكن أن يصدر مثل هذه الأحكام”. وأضافت أن القرآن الكريم حسم في مسائل النسب والزنا، معتبرة أن هذه الفتاوى، إن صحّت، تُعد “تطويعًا للدين لأهواء بشرية”.
في المقابل، ردّ أيلال قائلًا إن احتمال التلفيق قائم، لكنه شدد على أن “الشذوذ العقلي” كان سمة لدى أغلب الشيوخ، على حد تعبيره، معتبرًا أنهم لم يكونوا ينهلون من القرآن بقدر ما اعتمدوا على أقوال واجتهادات بشرية.
وكتب معلق آخر، “الدين أكبر من كل هذا التخربيق”، في إشارة إلى فحوى الفتاوى التي أوردها أيلال، بينما ردّ عليه “ب. محمد” بالقول إن أولئك الفقهاء اجتهدوا لزمانهم، وأن ما يفعله رشيد أيلال هو “افتيات باسم حرية الفكر، دون خلفية علمية واضحة”، متسائلًا عن المرجعية الفكرية التي تخوّل له نقد هؤلاء.
أما في الطرف المؤيد، فاعتبر متابعون أن ما طرحه أيلال هو “جرأة فكرية مطلوبة”، وأنه يسلط الضوء على نصوص “لم يجرؤ أحد على نقاشها علنًا”. وكتب أحد المعلقين، “الناس مخدّرة، لا تعرف هذه الحقائق، وستكذّبك وتؤمن بالخرافة، لأن الحقيقة موجعة”. بينما علّق بوصلاح من تونس، “واصل فضحهم بأسلوبك الأكاديمي… دمت مبدعًا ومُتانقًا”.
ورغم أن ردود الفعل المنقسمة تُعيد إنتاج الاستقطاب القائم بين التيارين الحداثي والتقليدي، إلا أن ظاهرة رشيد أيلال لم تعد محصورة في الجدل الفكري، بل تجاوزت ذلك إلى مطالب سياسية وقانونية. فقد سبق وأن طالبت جهات محسوبة على التيار الإسلامي، أو متعاطفة معه، بتدخل السلطات الدينية الرسمية في المغرب من أجل متابعة رشيد أيلال قضائيًا، متهمة إياه بـ”تهجّم متكرر على المقدسات الإسلامية”، في إشارة إلى رموز فقهية تعتبرها الأغلبية خطوطًا حمراء.
ويعيد هذا الجدل تسليط الضوء على واحدة من أعمق الإشكالات الفكرية في العالم الإسلامي المعاصر: هل التراث الديني مقدس ولا يُمسّ؟ أم أنه منتَج بشري قابل للنقد والمراجعة؟ وهل يستطيع المجتمع المغربي أن يُدير هذا النوع من النقاش بوسائل فكرية، دون أن يُحوّله إلى ساحات تخوين أو محاكم افتراضية؟
رشيد أيلال، الذي يقول عن نفسه إنه “مفكر علماني يؤمن بحرية الفكر والعقلانية”، يبدو مصرًا على المضي في خطه النقدي الحاد، رغم كل ما يجره عليه من هجمات، ويعتبر أن “السكوت عن الخرافة أخطر من مواجهتها”.
في المقابل، يرى خصومه أن أفكاره لا تندرج ضمن “النقد الأكاديمي”، بل ضمن “الاستفزاز والتبخيس الممنهج للرموز الدينية”، وهو ما يطرح إشكالًا مستمرًا حول حدود حرية التعبير في المواضيع الدينية، وتباين تصورات المجتمع المغربي حول الخط الفاصل بين النقد المشروع والتهجّم المرفوض.