من القدس إلى فاس.. إسرائيليون من أصول مغربية يهاجرون إلى المغرب بحثًا عن الجذور والهوية

في تطور اجتماعي وثقافي لافت، كشف تقرير نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية عن توجّه متزايد لعدد من الإسرائيليين ذوي الأصول المغربية نحو الاستقرار في المغرب، مدفوعين بعوامل متعددة تجمع بين الحنين إلى الجذور، والرغبة في الهروب من أجواء التوتر والصراع في إسرائيل، لا سيما في أعقاب حرب غزة وتداعيات أحداث 7 أكتوبر.

التقرير، الذي يعرض قصصًا شخصية مؤثرة، يؤكد أن الظاهرة لا ترقى إلى مستوى “هجرة جماعية منظمة”، بل هي أقرب إلى حركة فردية، تلقائية، متفرقة، تجمع أفرادًا من خلفيات ثقافية واقتصادية مختلفة، يشتركون في خيط وجداني واحد: العودة إلى بلد الأجداد، والانغماس في هوية لم تُمحَ رغم عقود من البعد والانفصال الجغرافي.

واحدة من أبرز القصص التي وردت في التقرير، تعود إلى نيتا حازان، البالغة من العمر 39 عامًا، وهي ابنة لمهاجرين مغاربة، حصلت مؤخرًا على بطاقة تعريف مغربية تُعرّف مكان ولادتها بـ”القدس، فلسطين”. فبينما كانت في سيارة أجرة في المغرب، استمعت إلى السائق وهو يعلن أن “إسرائيل غير موجودة”، عارضًا عليها مقاطع فيديو من مشجعي فريق مغربي يهتفون لفلسطين. رغم ذلك، لم تهتز قناعتها، “لا يهمني، لقد حققت حلمي… أنا الآن مواطنة مغربية”، قالت حازان، معبرة عن شعورها العميق بالانتماء والانغراس في الأرض التي تحتضن جذورها.

تجربتها، التي تشكلت من خلال نضال طويل من أجل الاندماج والانتماء، لا تقف عند البعد الرمزي. فقد عملت ضمن منظمات تسعى للسلام، وعاشت لحظات مؤثرة في فاس عام 2016، حين زارت منزل طفولة والدها، ثم عادت إلى إسرائيل مؤقتًا خلال الجائحة، لكنها اليوم تعيش بشكل دائم بين المغرب وإسرائيل، وتُخطط لتأمين جواز سفر مغربي لطفلها بصفتها “أم عازبة”، مؤكدة بثقة: “سنعود، بلا أدنى شك”.

قصة أخرى تستحق التوقف، هي قصة تشين إلملياح، التي تبلغ 41 عامًا، واستغلت أصولها المغربية وثغرات قانونية للهجرة إلى المغرب. وبرغم تشديد الإجراءات بعد توقيع “اتفاقيات أبراهام” ومحاكمة شبكات التزوير في 2018، تمسكت إلملياح بحقها في العودة، مؤكدة أن المغرب ليس مجرد “وجهة”، بل هو “جزء من حياتي اليومية”، في تمرد رمزي ضد فقدان الأصل.

هذه التجارب الفردية تنضم إلى ما يمكن وصفه بـ”تيار وجداني صامت”، يضم إسرائيليين في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات من العمر، منهم فاعلون ثقافيون وأكاديميون وفنانون. بعضهم يعمل في تعليم الدارجة المغربية، آخرون يفتتحون مطاعم حلال موجهة لليهود المغاربة والسياح، ويسعون لتثبيت جذورهم ضمن نسيج اجتماعي مغربي متنوع، يُعلي من قيم التعايش.

لكن هذه الموجة، التي تبدو في ظاهرها انسجامًا ثقافيًا، لم تخلُ من التحديات. فقد أشار التقرير إلى توترات أعقبت حرب غزة الأخيرة، من بينها تعليق أعلام فلسطين على سيارات بعض الإسرائيليين في مراكش، وانتقادات من طرف فعاليات محلية تدعو لمقاطعة الوافدين الجدد، خاصة في الأوساط المحسوبة على التيار الإسلامي.

ورغم ذلك، يذكر التقرير أن الدولة المغربية، وعلى رأسها المؤسسة الملكية، أظهرت دعمًا قويًا لثقافة العيش المشترك، إذ عبّرت السلطات الدينية والمجتمعية عن رفضها لأي خطاب إقصائي، وحرصها على استمرار النموذج المغربي في التعدد والاحتضان.

اللافت في هذه الظاهرة، كما تؤكد الصحيفة، هو أنها ليست حركة سياسية، ولا تقودها أية جهة رسمية، بل هي دينامية فردية عميقة، نابعة من ارتباط وجداني بالمغرب كفكرة وهوية وتاريخ. عشرات من الأشخاص، دون قيادة مركزية أو تنظيم مؤسسي، وجدوا في المغرب مساحة آمنة لإعادة اكتشاف الذات، والتصالح مع الماضي، والعيش في تناغم مع الموروث الذي لم يُمحَ رغم المسافات والحروب.

وتبقى الأسئلة مفتوحة هي، هل تتحوّل هذه العودة الهادئة إلى ظاهرة أوسع؟ وهل يشكّل المغرب، في زمن التصدّع الإقليمي، نموذجًا ناعمًا لهجرة عكسية نحو الاستقرار والهوية؟ الأيام المقبلة قد تحمل الإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *