فؤاد السعدي يكتب: “السكايرية كيشربو قريعة عن حب”.. حين يسقط الاتحاد الاشتراكي في مستنقع العبارات السوقية


من كان يتصور أن الحزب الذي خرّج أجيالًا من المفكرين، والنواب المحترمين، والوزراء المرموقين، وأيقونات النضال السياسي، سيتحول في مؤتمراته التنظيمية إلى مسرح لعبارات من قبيل “السكايرية ديالنا كيشربو قريعة عن حب”؟ إنها ليست سقطة لغوية عابرة، بل عنوان صارخ لانحدار خطير في الخطاب السياسي داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب الذي طالما اعتُبر مدرسة في الالتزام، والانضباط، والرصانة الفكرية.
هذا الكلام لم يُقال على هامش دردشة عابرة، بل جاء خلال أشغال مؤتمر إقليمي رسمي لحزب الاتحاد الاشتراكي بالرشيدية، ترأسه الكاتب الأول إدريس لشكر، وأمام مناضلي الحزب وقياداته، حيث صعد أحد نوابه البرلمانيين وهو في نفس الوقت منسق جهة درعة تافيلالت إلى المنصة، ليقدّم أمام الحضور “مرافعة سياسية” افتتحها بتبرير وجود مناضلين “سكايرية يشربون قريعة عن حب”، فأي رسالة يمكن أن تُبنى من هذا الخطاب؟ وأي رصيد سياسي يُنتج عن هذا المستوى من التعبير؟
أن يُستخدم توصيف “السكايرية ديالنا” لتبرير الانتماء أو التعبير عن “حب الشعب”، فذلك خلط فجّ بين التودد الرخيص والانحطاط الخطابي، خاصة في حزب بنى تاريخه على النضال، والأخلاق السياسية، والتأطير الفكري، لا على دغدغة العواطف أو إثارة الضحك الرخيص.
الأسوأ من ذلك، أن هذا النوع من “الخرجات” لم يعد استثناء، بل بدأ يتحول إلى نمط متكرر لدى عدد من المنتخبين الاتحاديين، الذين يعتقدون أن القرب من الناس يعني النزول إلى قاع السوق اللغوي، وأن طرافة العبارة تعوّض غياب المضمون، وهنا نطرح السؤال، متى صار “الاتحاد” يهادن الرداءة بدل محاربتها؟ ومتى أصبح “المناضل” يطلب الشعبية بإضحاك القاعدة الحزبية بدل إقناعها بالتحليل والرؤية؟
لقد كان الاتحاد الاشتراكي ذات يوم ضميرًا حيًّا في معارك الديمقراطية والفكر والحداثة، واليوم بات بعض منتسبيه لا يفرّقون بين النقاش الحزبي والمنشور الفيسبوكي، على اعتبار أن المشكل لم يعد فقط في “زلة لسان”، بل في ثقافة سياسية مستجدة تفتقر للتكوين، وللتأطير، وللحد الأدنى من احترام المنصة والمؤسسة والجمهور.
من حق الحزب أن يُراجع آلياته، أن يُجدد نخبه، أن يُجرب أشكالًا جديدة من الخطاب السياسي، لكن ليس من حقه أن يفرّط في هوية لغوية وأخلاقية شكّلت تاريخه وشرعيته، ليس من حقه أن يصمت على خطابات تُشبه “الفرجة” أكثر مما تُشبه العمل الحزبي الجاد.
ويا للأسف، على حزب كان إلى وقت قريب يُشكّل مرجعية فكرية وسياسية في البلاد، يختزل اليوم حضوره في مشاهد هزيلة وتصريحات خالية من القيمة، وكأن الزمن الحزبي انقلب على عقبيه. فالاتحاد الاشتراكي الذي كانت خطبه تُدرّس، ومواقفه تُناقش في الجامعات، ومفرداته تُقتبس في الصحافة والبرلمان، أصبح اليوم مادة للسخرية في مواقع التواصل الاجتماعي، لا بسبب خصومه، بل بسبب ما يصدر عن بعض منتسبيه من عبث لغوي وسوء تقدير سياسي.
ما يُؤلم أكثر هو أن هذا الانحدار لم يعد يُقابل بالتصحيح أو الاعتذار أو حتى النقد الداخلي، بل يصادف صمتًا مريبًا من قيادة الحزب وكأنها باتت تعتبر هذه الخرجات نوعًا من “الذكاء الشعبي” أو “الانفتاح على الشارع”. وهنا تبرز الأزمة الأعمق من مجرد خطاب، وهي أزمة ضمير سياسي، لأنه حين يغيب هذا الضمير، تنهار المدرسة، ويفقد التنظيم هويته، وتتحوّل ذاكرة الحزب إلى لافتة بلا مضمون.