وأخيرًا.. المغرب يطلق إصلاحًا قانونيًا شاملًا لمواجهة الجرائم الرقمية وحماية الأطفال في الفضاء السيبراني

في ظل تنامي التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي، وتزايد المخاطر التي تهدد الفئات الناشئة داخل الفضاء السيبراني، كشفت وزارة العدل عن حزمة من الإجراءات القانونية والمؤسساتية الجديدة، تهدف إلى تعزيز حماية المجتمع، وبالأخص الأطفال والمراهقين، من الجرائم الإلكترونية والانحرافات الرقمية المتسارعة.

في جواب رسمي على سؤال برلماني حول مراقبة محتوى وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيره على القاصرين، استعرضت الوزارة ملامح مقاربة وطنية متكاملة، ترتكز على تحديث المنظومة القانونية، والانخراط في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وتكثيف جهود التوعية والتحسيس، ضمن رؤية ترمي إلى ضمان أمن رقمي مسؤول ومتوازن.

وأشارت وزارة العدل إلى أن التطور السريع في التكنولوجيا والانتشار الواسع لأجهزة الاتصال وشبكات الإنترنت، رغم ما أتاحه من فرص لتبادل المعرفة والمعلومة، إلا أنه أدى أيضًا إلى بروز ظواهر إجرامية جديدة تُصنّف ضمن “الجرائم المعلوماتية”، والتي أصبحت تمس حرية الأفراد وحرمة المؤسسات، وتثير مخاوف متزايدة بشأن الثقة في البيئة الرقمية.

وفي هذا السياق، أبرزت الوزارة مصادقة المغرب على اتفاقية بودابست للجريمة الإلكترونية سنة 2018، كخطوة تعكس التزام المملكة بمواكبة التوجهات الدولية الرامية إلى مواجهة التهديدات الرقمية العابرة للحدود. وتشمل هذه الاتفاقية تجريم مجموعة من الأفعال، من قبيل الولوج غير المشروع إلى الأنظمة المعلوماتية، التلاعب بالبيانات، والاحتيال الإلكتروني.

كما أشار البلاغ إلى مصادقة المغرب على البروتوكولين الإضافيين للاتفاقية، الأول المتعلق بتجريم الكراهية والتمييز العنصري عبر الإنترنت، والثاني المعتمد في ماي 2022، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدولي في تتبع الجرائم الإلكترونية والحصول على الأدلة الرقمية، مع التأكيد على احترام مبادئ حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

ولم تقتصر جهود المغرب على الجانب التشريعي فقط، بل شارك أيضًا في إعداد اتفاقية أممية شاملة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، عرضت على الجمعية العامة للأمم المتحدة في دجنبر 2024، ويتوقع فتحها لتوقيع الدول خلال عام 2025 في فيتنام. وتغطي هذه الاتفاقية مجموعة من الجرائم الرقمية المتطورة، مثل الاحتيال السيبراني، الاعتداءات على الأطفال، انتهاك الخصوصية، الإرهاب الرقمي، والاتجار غير المشروع عبر الشبكة.

وفي ما يخص التعديلات الوطنية، أكدت وزارة العدل أن مشروعي القانون الجنائي والمسطرة الجنائية يخضعان لمراجعة عميقة تشمل ملاءمة النصوص مع الاتفاقيات الدولية. وتتضمن التعديلات المقترحة تجريم أفعال مثل انتحال الهوية الرقمية، استخدام صور أو بيانات شخصية دون موافقة، التصوير أو النشر غير المشروع لمحتويات خاصة أو ذات طابع جنسي، مع تشديد العقوبات في حال المس بالحياة الخاصة أو الكرامة الإنسانية.

كما يتضمن مشروع القانون الجنائي مقتضيات جديدة لتجريم المساس بـ”السرية الرقمية”، عبر اعتراض أو تحويل المراسلات الإلكترونية، أو استخدام أجهزة للتجسس، إضافة إلى تقنين عمليات استيراد وبيع المعدات التي تُستخدم في تنفيذ هذه الجرائم.

في الجانب التوعوي، أشارت الوزارة إلى انخراطها ضمن لجنة التنسيق الوطنية لثقافة الاستخدام الرقمي وحماية الأطفال عبر الإنترنت، والتي تعمل على تطوير أدوات بيداغوجية وتفاعلية لفائدة الناشئة، من بينها فيديوهات، رسوم متحركة، ألعاب تربوية، وورشات تحسيسية، تروم ترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا الحديثة.

واختتمت وزارة العدل تأكيدها على التزامها الراسخ بمواءمة الترسانة القانونية الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، لضمان بيئة رقمية أكثر أمانًا، قادرة على التصدي للجرائم السيبرانية، وحماية المجتمع، خصوصًا فئاته الهشة، من تهديدات العالم الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *