البيت الاتحادي على صفيح ساخن.. انقسامات داخل الاتحاد الاشتراكي تُهدد مشروعًا سياسياً تاريخيًا بالانهيار

يعيش حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أحد أعرق التنظيمات اليسارية في المغرب، وضعًا داخليًا بالغ التعقيد، تتقاطع فيه مؤشرات الاحتقان السياسي مع مظاهر التآكل الفكري والتنظيمي، وسط تساؤلات متزايدة عن قدرة الحزب على استعادة عافيته ومكانته في المشهد الحزبي الوطني.
فبعد أن شكّل لعقود واجهة مركزية في معارك الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، يجد الحزب نفسه اليوم محاصرًا بأزمة تتجاوز الحسابات الظرفية، وتمس جوهر المشروع الاتحادي، من حيث هويته، ونموذجه التنظيمي، وآليات اشتغاله الداخلية.
الانقسامات الحادة، وتراجع الحضور المجتمعي، وشعور فئات واسعة من مناضليه بالتهميش، كلها مؤشرات على مسار انحداري غير مسبوق. ومع تصاعد الدعوات المطالِبة بترتيب البيت الداخلي، يطرح المراقبون سؤالًا محوريًا هو هل ما يعيشه الاتحاد اليوم مجرد أزمة قيادة عابرة، أم بداية نهاية لتجربة سياسية فقدت بوصلة التأثير والامتداد؟
أصوات من داخل الحزب ترى أن المرحلة الراهنة تفرض ظهور قيادة جديدة قادرة على توحيد الصفوف وتحقيق مصالحة داخلية حقيقية، تستند إلى مشروع سياسي وتنظيمي واضح المعالم. كما تشير إلى أن التجديد يجب ألا يقتصر فقط على منصب الكاتب الأول، بل ينبغي أن يشمل المكتب السياسي بأكمله، خاصة أن عددًا من أعضائه راكموا أكثر من ثلاث ولايات دون تداول فعلي أو انفتاح على كفاءات جديدة.
من جانب آخر، انتقدت نفس الأصوات اختزال التحضير للمؤتمر الوطني في ما يُعرف بـ”التبطيق”، الذي تحوّل، بحسبها، إلى سباق على الأرقام والمقاعد والحصص، في مشهد يعكس سلوكيات انتخابية محلية لا تليق بمؤتمر يُفترض فيه أن يُعيد رسم هوية الحزب وتوجهاته.
ورغم تمسّك القيادة الحالية بشرعية المؤسسات، يرى منتقدوها أن الاتحاد لا يمكنه البقاء وفياً لهويته كـ”اتحاد اشتراكي للقوات الشعبية” إذا ما انزلق نحو منطق الرأي الواحد والقرارات المغلقة، على اعتبار أن الركائز التي بُني عليها المشروع الاتحادي، من ديمقراطية داخلية، واحترام للقانون الأساسي، وشفافية تنظيمية، يجب أن تبقى الأساس الذي يضمن وحدة الحزب واستمراريته.
وفي هذا السياق، تتكرّر الدعوات إلى نشر الوثائق التنظيمية الأساسية، مثل القانون الأساسي والنظام الداخلي ولائحة المجلس الوطني، باعتبار أن غيابها يعرقل قيام الحزب كمؤسسة فعلية، ويضعف مصداقيته أمام مناضليه والرأي العام.
في ظل هذا الوضع، يبدو أن الاتحاد الاشتراكي أمام لحظة حاسمة، فإما أن يفتح الباب لتجديد فعلي يعيد إليه روحه الاتحادية الأصلية، وإما أن يستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة من التوافقات الشكلية، ويخسر تدريجيًا ما تبقى من قاعدته الاجتماعية والسياسية.