تصريح أخنوش تحت قبة البرلمان يشعل الجدل.. هل الاستثمار في المغرب مرهون بشخص رئيس الحكومة؟

لم تمر جلسة المساءلة الشهرية الأخيرة بمجلس النواب، والتي خُصصت لمناقشة السياسة الصحية والحماية الاجتماعية، دون أن تترك خلفها موجة صاخبة من الجدل السياسي والإعلامي، بعدما أطلق رئيس الحكومة عزيز أخنوش تصريحًا مثيرًا اعتبره كثيرون “انزلاقًا غير محسوب العواقب”.
وقال أخنوش، في معرض حديثه عن مناخ الاستثمار بالمغرب أن “المستثمرين لن يثقوا إذا لم يكن أخنوش موجودًا”، وهي جملة كفيلة بأن تُشعل مواقع التواصل الاجتماعي والمشهد السياسي معًا. فبدل أن يُطمئن الفاعلين الاقتصاديين ويرسّخ الثقة في المؤسسات، بدا رئيس الحكومة وكأنه يحتكر مفاتيح الاقتصاد الوطني، ويربط مستقبل الاستثمار بشخصه لا بالدولة.
وقد تفاعل الآلاف مع هذا التصريح، بين ناقد وساخر، مشككين في دلالاته وسياقه، إذ رأى كثيرون أن كلام أخنوش يحمل في طياته رسائل مبطنة إلى المعارضة، وربما إلى مؤسسات الدولة ذاتها، مفادها أن موقعه السياسي هو الضامن الأول لاستمرار تدفق رؤوس الأموال.
الانتقادات لم تتأخر، حيث عبّر عدد من المتابعين عن استيائهم مما اعتبروه “استخفافًا بمفهوم الدولة ورمزية المؤسسات”، إذ اعتُبر تصريح أخنوش تهديدًا مبطّنًا، يوحي بأن غيابه عن الساحة يعني غياب الثقة والاستثمار، وكأن الاقتصاد الوطني رهين بشخصه وليس بمنظومة دستورية مؤسساتية.
وقد علّق بعض النشطاء بأن رئيس الحكومة تحدث “كصاحب مقاولة خاصة وليس كرجل دولة”، مستغربين قوله إن “الاستثمار ماشي عيب وخاصك تكون راجل ومولاي باش تديرو”، وهي تعابير اعتُبرت غير لائقة بمسؤول يمثل جميع المغاربة، ويُفترض أن يُعبّر بلغة سياسية رصينة، لا بلغة السوق.
وأجمعت تحليلات متعددة على أن أخنوش بتصريحه هذا تجاوز الدور السياسي إلى الشخصنة، وربما الوقوع في تضارب صريح بين موقعه في السلطة ومصالحه الاقتصادية، خصوصًا في ظل نقاش دائم حول استقلالية القرار السياسي عن عالم المال والأعمال.
وطرحت تساؤلات لاذعة من قبيل هل المستثمر يثق في مناخ مؤسساتي أم في شخص؟ وماذا لو تغيّر رئيس الحكومة؟ هل سيرحل المستثمرون؟ وهل يُعقل أن يُقدّم المغرب للعالم كبلد مرتبط باسم واحد، لا بسياسة عامة؟
في خضم هذا الجدل، أعادت التدوينات والتعليقات المتداولة التأكيد على أن الضامن الحقيقي لجاذبية المغرب الاقتصادية هو استقراره السياسي، ومكانة الملكية المغربية، والرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، التي ظلت دائمًا حاضنة للإصلاحات الكبرى والمبادرات الاستثمارية الوازنة.
ويبدو أن أخنوش، من خلال هذا التصريح، لم يخسر فقط توازن الخطاب، بل فقد رصيدًا من الثقة السياسية، بعدما أعطى الانطباع بأنه يُقزم الدولة ويُسوّق لمناخ استثماري يعتمد على الولاء للأشخاص، لا على الثقة في المؤسسات.
وفي وقت لا يزال فيه النقاش مفتوحًا حول العلاقة بين السلطة والمال، يأتي هذا التصريح ليُذكّر الجميع بأن رجل الدولة لا يُراهن على ذاته، بل على قوة المؤسسات، وعلى دستورٍ يجعل من الملكية الركن الأساسي لضمان الاستقرار، ومن الحكومة خادمة للمصلحة العامة لا لأي مصالح ضيقة.