فؤاد السعدي يكتب: بنسعيد.. مهندس نكبة الصحافة المغربية وموَقِّع مشروع التدجين الكبير

في خطوة وُصفت بأنها “تشريعية وتنظيمية”، قدّم وزير الثقافة والشباب والتواصل، المهدي بنسعيد، أمس الأربعاء، أمام لجنة الثقافة والتعليم بمجلس النواب، مشروعين قانونيين، يتعلق الأول منهما بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، فيما يخص الثاني قانون الصحفي المهني، لكن خلف هذه العناوين العريضة، تتخفى نوايا سياسية صريحة لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي المغربي بما يخدم منطق التحكم والولاء، لا منطق الاستقلال والتعدد.

ففي الوقت الذي خرج فيه الوزير ليتحدث عن “تقوية الجسم الصحفي” و”تكريس استقلالية المهنة”، لا يبدو أن الواقع يسير في هذا الاتجاه، بل يسعى في خط مستقيم نحو تكريس السيطرة، وتفكيك آخر ما تبقى من مظاهر التنظيم الذاتي داخل المشهد الإعلامي المغربي. فالتصريحات التي أطلقها الوزير بشأن وجود “تشاور وحوار واسع” مع الهيئات الصحفية، ليست سوى محاولة لتجميل واقع مُحزن، تحكمه نوايا مبيّتة لإفراغ المجلس الوطني للصحافة من روحه، وتسليمه لجهات لا علاقة لها بالصحافة كرسالة أو مهنة، بل كغنيمة فقط.

ما لم يقله الوزير، هو أن الصيغة المقترحة للقانون المنظّم للمجلس الوطني، لم تكن نتاج توافق حقيقي بين أهل القطاع، بل خضعت منذ البداية لمنطق المغالبة والترضيات، لصالح هيئة مهنية مشكوك في شرعيتها، تم تأهيلها سلفًا عبر تدفق المال العام، لتُقدَّم لاحقًا كـ”الأكثر تمثيلية”، ويتم تسليمها مقاليد التنظيم الذاتي على طبق من ولاء.

الوزير الذي يتحدث عن سد “الثغرات القانونية” التي عرفتها المرحلة السابقة، يتغافل عن الثغرة الأخطر التي تبتلع المشهد كله، ألا وهي غياب النية السياسية لضمان صحافة حرة، ومستقلة، ومؤثرة. فالحكومة منذ توليها تدبير زمام الشأن العام لم تسعَ إلى تعزيز استقلالية الصحافيين، بل خططت بعناية لإخضاعهم فقط، وما محاولة إعادة تشكيل المجلس الوطني للصحافة إلا الخطوة الأخيرة في مسار بدأ منذ سنوات، بتجفيف منابع الدعم العمومي للمقاولات الجادة، وإغراق الساحة بمنابر تافهة، وفارغة المحتوى، مملوءة الولاء.

إن ما يُحاك اليوم ليس نقاشًا تقنيًا حول شروط العضوية أو طبيعة الانتخابات، بل انقلاب ناعم على جوهر التنظيم الذاتي، وتمهيد لتحويل المجلس الوطني إلى جهاز إداري تابع، تزينه العبارات الرنانة مثل “الإصلاح”، و”التحديث”، و”المهنية”، في حين أن الهدف الحقيقي هو تجريد الجسم الصحفي من قدرته على مساءلة السلطة أو حتى الحفاظ على استقلاله المهني.

والأخطر، أن هذا التوجه يتم بإخراج محكم و”محترف”، بمعنى،  هيئة جديدة تُستحدث فجأة، وتدّعي تمثيل القطاع، وتحظى بدعم صامت من الدولة، وتُقدَّم على أنها “البديل المناسب”، في حين أنها لا تمثل سوى مصالح فئة ضيقة ممن يُعرفون داخل الوسط الإعلامي بـ”فراقشية الصحافة”، أولئك الذين لا يرون في الصحافة إلا مجالاً للصفقات، والدعم، والمناورات.

نعم، هو مخطط دُبِّر بليل، وأُعدّ له التمويل، وصيغت له النصوص، واختيرت له الوجوه، وها هو اليوم يُسوّق لنا كإصلاح، بينما هو في جوهره ارتداد عن كل ما ناضلت من أجله الأجيال الصحفية المتعاقبة.

فإذا كانت هذه الحكومة تعتبر أن الصحفي المستقل هو تهديد، فإننا أمام سلطة تخشى الرأي وتريد صناعة إعلام على مقاسها، إعلام مطواع، إعلام مرن، وقابل للتدجين. مع إعادة تشكيل مجلس لا يزعج، لا يسائل، ولا يقلق، فقط يُستخدم عند الحاجة، ويُركن عند الانتهاء.

إن المعركة اليوم تتجاوز الخلاف حول الصيغ القانونية إلى ما هو أعمق، إنها معركة من أجل بقاء الصحافة كسلطة رابعة، وبالتالي فالسكوت لم يعد خيارًا، وحتى التواطؤ بالصمت يعني القبول بتحويل المهنة إلى ملحق إداري، يُدار من فوق، ويُضبط عن بعد. باختصار، ومن أجل أن يسجلها التاريخ، الوزير بنسعيد ليس بصدد “إصلاح” المشهد الصحفي، بل بصدد إعادة هندسته على مقاس السلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *