من بطانة إلى لمريسة بسلا.. رئيس يُلغي سندًا مشبوهًا وآخر يمرّر حافلات مهترئة باسم الطفولة

المستقل | فؤاد السعدي
الصفقات العمومية ليست مجرد وثائق مالية وتقنية، بل هي مرآة حقيقية لطريقة تفكير من يدبّر الشأن المحلي. وهذا ما كشفت عنه بوضوح صفقات نقل الأطفال نحو المخيمات الصيفية، التي تحولت من فرصة تربوية إلى مناسبة لطرح أسئلة محرجة حول الكلفة، والجودة، والحكامة.
في مقاطعة بطانة، اضطر رئيسها إلى إلغاء سند طلب بعد الجدل الواسع الذي رافق الإعلان الأول، والذي أثار شبهات واضحة في منطق الكلفة، وتوزيع الوجهات، وعدد المستفيدين مقارنة بالمبلغ المرصود (158 ألف درهم). أرقام لا تصمد أمام حساب بسيط للمصاريف، خاصة مع الوجهات البعيدة مثل سيدي إفني والناظور والجبهة، ما فتح بابًا للتأويلات بشأن ما إذا كانت النية هي النقل فعلًا، أم أن السند كان غطاء لتصريف اعتمادات في آخر لحظة.
قرار الإلغاء، وإن جاء متأخرًا، يُحسب لرئيس المقاطعة في حال اقترن بإعلان شفاف جديد، يضمن الواقعية والمصداقية ويعيد الاعتبار للفكرة الأصلية، وهي توفير نقل كريم وآمن للأطفال، وليس مجرد سد فجوات في دفتر المحاسبة.
أما في مقاطعة باب لمريسة، فالصورة تبدو أكثر التباسًا. فرغم أن رئيسها عبد القادر لكيحل وقف شخصيًا على وضعية الحافلات، وعبّر عن انزعاجه من الحالة الميكانيكية المتردية لبعضها، إلا أن مصادر مطلعة أكدت أن نفس هذه الحافلات، المهترئة، هي التي استُعملت فعليًا في نقل الأطفال. والأسوأ من ذلك، أن خيار اللجوء إلى الشركة التي جاءت ثانية في ترتيب الصفقة لم يُفعل، رغم أن دفاتر التحملات تمنح هذا الحق صراحة للجهة المفوضة، في حال الإخلال بالشروط.
هنا، لا يبدو أن الرئيس تعامل بالحزم الضروري مع الموقف، بل ساد نوع من التراخي، أو ربما التردد، في اتخاذ القرار المناسب، مما جعل الأطفال يُنقلون في ظروف لا ترقى إلى الحد الأدنى من الراحة والسلامة، رغم أن الصفقة بلغت ما يقارب 59 مليون سنتيم.
الفارق بين المقاطعتين يُعري أسلوبين مختلفين في التفاعل مع نفس التحدي وهو أن أحدهما استشعر خطورة المسألة فاتخذ قرارًا شجاعًا بالإلغاء، والثاني اكتفى بملاحظات ميدانية دون أن يُترجمها إلى قرارات حازمة، ربما لحسابات إدارية أو سياسية، لكن على حساب الطفولة وسلامتها.
وإذا كان هناك من خيط ناظم بين الحالتين، فهو غياب المراقبة الفعلية من طرف الجهات العليا، وعلى رأسها وزارة الداخلية، التي يفترض أن تُفعّل آلية التفتيش والتتبع القبلي والبعدي، خاصة أن الصفقات تُموّل من المال العام، وتُنفذ لفائدة فئة مجتمعية حساسة.
في نهاية المطاف، القضية أكبر من مجرد حافلات أو أرقام. إنها قضية ثقة في المؤسسات، وقياس حقيقي لمستوى النزاهة الإدارية والمسؤولية السياسية عند المنتخبين. فإما أن تُصرف الميزانيات بروح المواطنة، وإما أن تتحول إلى واجهات لتجميل الفشل تحت عنوان “العمل الاجتماعي”، وهو ما لم يعد مقبولًا لا سياسيًا ولا أخلاقيًا.