فؤاد السعدي يكتب: مهرجان وليلي بعد 24 سنة و500 مليون سنتيم.. عندما تتحول الرعاية السامية إلى غطاء لفشل ثقافي مزمن

منذ ربع قرن، يخرج مهرجان وليلي الدولي لموسيقى العالم التقليدية إلى الوجود، بنفس الرتابة، بنفس الوجوه، ونفس الصياغة البلاغية التي لم تعد تُقنع أحدًا، نعم، 24 نسخة من العروض “المطبوخة” في آخر لحظة، بنفس الإيقاع الباهت، بلا تصور فني، ولا إشراك حقيقي، ولا أثر يُذكر، وكأن الزمن توقف عند أول دورة ورفض التحرك بعدها.

ما وقع في النسخة الأخيرة، التي أُسدل الستار عنها قبل أيام، ليس استثناءً، بل استمرار طبيعي لمهرجان فقد كل مبررات وجوده. برمجة مرتجلة، ودعوات تُوجّه للفنانين في اللحظة الأخيرة، وغياب كلي للتشاور أو التنسيق مع الهيئات المنتخبة والفاعلين الثقافيين بالجهة، لدرجة حتى مسؤولو الجهة، بدءًا من والي الجهة إلى رئيسها، لم يُخفوا تذمرهم من الطريقة الفوقية التي تُدبر بها هذه التظاهرة من داخل مكاتب المديرية الجهوية للثقافة بجهة فاس مكناس، التي يبدو أنها قررت أن تستمر في هذا النهج المنغلق، وكأن المهرجان ملكية خاصة لا تعني إلا أصحابها.

ما يُثير القلق ليس فقط مضمون المهرجان، بل حجم الميزانية المخصصة له والبالغة 500 مليون سنتيم، رقم ضخم بالنظر إلى هشاشة الأثر، وغياب الانعكاس الفعلي على المدينة أو على الموقع الأثري وليلي، الذي يُستعمل مرة واحدة في السنة كخلفية لعروض عابرة، ليُترك بقية الوقت يئن تحت وطأة التهميش.

السؤال اليوم، ماذا تحقق خلال 24 دورة؟ فلا مشروع مستدام، ولا جاذبية دولية، ولا بنية استقبال، ولا ترويج نوعي، ولا إشعاع حقيقي، فقط أسماء فنية تتكرر، وفِرق تُستدعى ثم تختفي، وبلاغات تُصدر ولا تُقرأ، وأموال تُصرف دون محاسبة، والمحصّلة للأسف، مهرجان يبدو وكأنه يُقام فقط لـ”ملء الفراغ” وتبرير ميزانية تُهدر باسم الثقافة.

في زمن الحديث عن النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن ما يجري بمهرجان وليلي يجب أن يكون محل مساءلة. فأين هي لجان التتبع؟ أين هي مؤشرات الأداء؟ أين تقرير مجلس الحسابات؟ وهل من المقبول أن يُصرف المال العام في تظاهرة لا أحد يستطيع تبرير أثرها، لا سياحيًا، ولا اقتصاديًا، ولا ثقافيًا؟

ما نعيشه ليس فقط ضعفًا في البرمجة، بل اختلالًا في منطق تدبير الشأن الثقافي، وغيابًا للجرأة في اتخاذ القرارات الصعبة، وبالتالي بات من المشروع، بل من الضروري، إيقاف هذا المهرجان مؤقتًا، ومساءلة الجهات المنظمة، ثم إعادة النظر فيه من جذوره، إن كانت هناك نية فعلية لجعله حدثًا وطنيًا حقيقيًا لا مجرد عرض موسمي متكرر.

ولأن المال العام مسؤولية، والثقافة ليست ترفًا، فإن الاستمرار في نهج “العبث المنظم” لم يعد مقبولًا، فالساكنة تفهم، والفاعلون يرصدون، والرأي العام يسائل، لأن 24 سنة كانت كافية لتكوين حكم نهائي وهو أن هذا المهرجان في صيغته الحالية لا يستحق الاستمرار.

ومع أن المهرجان يُنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة، وهو شرف رمزي ومؤسساتي كبير، إلا أن هذا الواقع لا يُعطي الحق للقائمين على المهرجان في العبث بمضمونه، أو تحويله إلى تظاهرة روتينية خالية من القيمة والوقع، بل على العكس تمامًا، فإن هذا التشريف الملكي يحمّل الجهات المنظمة مسؤولية مضاعفة في تقديم مهرجان يليق بالمكانة الرمزية والثقافية للوطن، ويعكس صورة المغرب التي نطمح إلى تسويقها للعالم، لا أن يتحول إلى مسرح ممل لإعادة تدوير نفس الوجوه والمضامين.

وهنا، لا يمكن إعفاء الوزير المهدي بنسعيد من المسؤولية السياسية المباشرة، فهو على رأس قطاع الثقافة، وهو المسؤول الأول عن متابعة حسن تدبير المال العمومي، وعن مساءلة المديريات الجهوية التي تُدير هذا المهرجان بمنطق فوقي منعزل عن الجهات الشريكة وعن نبض الساكنة، وبالتالي فاستمرار هذا النمط من التدبير، في ظل صمت الوزير، لم يعد يُفهم إلا كنوع من القبول الضمني بهذا الانحدار، وكأن مهرجان وليلي لا يعنيه، أو لا يدخل في أولوياته. وهو ما يزيد من حجم الإحباط لدى المهتمين بالشأن الثقافي، ويعمّق الإحساس بأن هناك تراجعات لا تُقابل بأي موقف واضح من المسؤولين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *