50 مليون سنتيم لتقييم حملة غير موجودة.. فوضى الترويج السياحي تكشف خللاً في تدبير المال العام

في خطوة أثارت كثيرًا من علامات الاستفهام، أبرم المكتب الوطني المغربي للسياحة صفقة بقيمة تقارب 50 مليون سنتيم، مخصصة لتقييم حملة تواصلية حول السياحة الداخلية، وتحديدًا محور “البحر والطبيعة”. غير أن المثير للانتباه هو غياب أي معلومات رسمية حول توقيت إطلاق هذه الحملة، أو أهدافها، أو مخرجاتها، مما طرح تساؤلات جدية حول مدى جدوى هذه الدراسة، والسياق الذي أتت فيه.

وفق مصادر متابعة للقطاع، فإن التقييم عادةً ما يُفترض أن يكون جزءًا من مخطط استراتيجي مهيكل، يبدأ بمرحلة تخطيط استباقي للحملة، يليه تنفيذ محكوم بمؤشرات قياس واضحة، ثم يأتي التقييم في نهاية الدورة. غير أن هذه الصفقة تحديدًا، حسب نفس المصادر، تفتقد لهذا التسلسل المنطقي، ما جعل بعض المهنيين يتحدثون عن “دراسات بأثر رجعي”، لا تساهم في تطوير الأداء، بل تُستعمل فقط كوسيلة لتبرير ما حدث، بعد فوات الأوان.

القطاع السياحي المغربي، الذي يراهن عليه كقاطرة للنمو، لا يزال يعاني من تذبذب في الرؤية وغياب الاستمرارية. وفيما تُشدّد الاستراتيجيات الدولية الحديثة على ضرورة إشراك الفاعلين المحليين، وتنويع المنتوج السياحي ليشمل السياحة الثقافية، الجبلية، والبيئية، يبدو أن التركيز الداخلي ما زال محصورًا في زاوية ضيقة، تحصر السياحة في موسم صيفي وشريط ساحلي، دون اعتبار للغنى الترابي والبعد المجتمعي للوجهات.

عدد من المراقبين عبّروا عن قلقهم من تكرار سيناريو “الدراسات غير المؤثرة”، مشيرين إلى أن هذه ليست الحالة الأولى التي يتم فيها صرف ميزانيات مهمة على تقييمات لحملات لم تُحدث تغييرًا ملموسًا. ويخشى هؤلاء من أن تتحول هذه الممارسات إلى نمط عمل يعيد إنتاج نفس الأخطاء، دون مراجعة حقيقية أو محاسبة واضحة.

وتُطرح في هذا السياق تساؤلات حول دور وزارة السياحة، خاصة في ظل صمت رسمي مطبق بخصوص هذا النوع من المبادرات. فالوزيرة، باعتبارها المسؤولة السياسية عن القطاع، لم تصدر إلى حد الساعة أي توضيح بخصوص هذه الصفقة، ولا عن الرؤية العامة لتطوير السياحة الداخلية، في ظل التحديات المتعددة التي يعرفها القطاع، سواء على مستوى الترويج أو البنية التحتية أو إشراك الكفاءات المحلية.

من جهة أخرى، يدعو بعض الخبراء إلى ضرورة إعادة هيكلة دور المكتب الوطني المغربي للسياحة، ليكون هيئة استراتيجية تُسهم في بلورة رؤية حقيقية مستندة إلى معطيات دقيقة، لا مجرد فضاء لتدبير الحملات والعقود. كما يُطالبون بفتح نقاش مؤسساتي حول طرق صرف الميزانية العمومية، ومدى خضوعها لرقابة مستقلة وشفافة.

وسط هذا الجدل، يظل المواطن المغربي، وهو المستهدف الأول من هذه الحملات، في موقع المتفرج. لكنه متابع يقظ، يطرح الأسئلة، ويرصد أوجه القصور، وينتظر أن يرى في المستقبل قطاعًا سياحيًا يشتغل وفق منطق استراتيجي، لا بمنطق تدبيري مؤقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *