برادة يتغنّى بـ”مدرسة رائدة” في بلد يعاني انهيار المنظومة التعليمية.. واقع التعليم المغربي بين الخطاب الدعائي والانحدار الميداني

في تصريح يعيد إنتاج الخطاب الرسمي البعيد عن الواقع، تحدث وزير التربية الوطنية برادة عن انبهار دول العالم بما حققته المدرسة “الرائدة”، معتبراً أنها أصبحت نموذجاً يُحتذى به. غير أن هذا الكلام، الذي لا يستند إلى مؤشرات علمية أو ميدانية، يعكس مأزقاً أكبر من مجرد تلميع صورة وزارة فاشلة، وهو مأزق غياب الإرادة السياسية الحقيقية لإصلاح منظومة تعليمية تحتضر منذ عقود.
فحين يصبح التسويق الإعلامي بديلاً عن المعالجة الجذرية، وتُستغل لغة الأرقام الزائفة كواجهة لمشاريع تمتصّ الميزانيات دون أثر ملموس، نكون أمام تجلٍّ صارخ لحلقة مفرغة لم نستطع الخروج منها، حيث تتوارث الحكومات خطاب الإصلاح، بينما تُستنسخ أسباب الفشل.
تصريحات الوزير لا يمكن عزلها عن واقع تعليمي كارثي، ساهم في تكريسه العبث الإداري، وتحويل مؤسسات الدولة إلى “رقع شطرنج” تُحرّكها ضغوطات من مسؤولين يشتغلون بعقلية الولاءات وليس الكفاءة. والنتيجة هو تحويل مشاريع استراتيجية إلى صفقات مثيرة للريبة، دفعت ببعض مديري الأكاديميات إلى أروقة القضاء، بعدما تم الزجّ بهم في مناورات تديرها أطراف نافذة داخل الوزارة، في غياب تام للشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفيما كان المنتظر أن تنعكس الميزانيات الضخمة على جودة التعلم وتكافؤ الفرص، استُخدمت تلك المليارات في إنتاج نماذج تعليمية جوفاء، فشلت في تقليص الفوارق، وتركت المدرسة العمومية حبيسة “متاهة الإصلاحات الفاشلة” التي لا تؤدي إلا إلى وجهة واحدة: دفع الأسر المغربية قسراً نحو التعليم الخاص.
في هذا السياق، تبدو تصريحات وزير التربية أقرب إلى أحلام وردية، بعيدة كل البعد عن الواقع، بل إن خطاب “الإنجازات الخارقة” لا يختلف كثيراً عن “هلوسات” إعلامية تُستخدم لتضليل الرأي العام، في حين يُواصل التعليم العمومي نزيفه بلا توقف.
ولعل التحذير الصريح الذي أطلقه أحمد الحليمي وعزيمان سابقاً، وهما شخصيتان مؤسساتيتان ذات مصداقية، يؤكد أن إصلاح التعليم يصطدم بمقاومة شرسة، بعضها معلن وبعضها الآخر مستتر، وأن غياب الإرادة السياسية لإحداث التغيير الحقيقي، هو ما يجعل كل الإصلاحات مجرد حرث في البحر.
فالرهان على مدرسة عمومية قوية ليس فقط رهاناً تربوياً، بل هو رهان وجودي يرتبط بمصير البلد ومستقبله التنموي. وتجارب دول خرجت من أتون الحروب والمجاعات ونجحت في تحقيق إقلاع بفضل الاستثمار في التعليم – مثل رواندا – دليل قاطع على أن المسألة ليست في توفر الإمكانيات، بل في صدق النوايا.
ومع ذلك، لا يبدو أن الوزير برادة، القادم من عالم بعيد عن التربية، واعٍ بحجم الرهان. فالرجل، حسب ما يُنقل عن دوائر الوزارة، منشغل أكثر بـ”التنس الإداري” والواجهات الاتصالية، من الاشتغال على عمق الإشكاليات الهيكلية التي جعلت من المدرسة العمومية مؤسسة فاقدة للثقة، حتى من طرف أهلها.
ويبقى الأمل معلّقاً على يقظة المجتمع، ووعي الرأي العام، للضغط من أجل جعل التعليم قضية وطنية فوق كل الحسابات. لأن التراخي في هذا الملف، يعني ببساطة تسليم مفاتيح المستقبل لمنظومة تنتج “الضباع”، لا المواطنين.