فؤاد السعدي يكتب.. حين يتحدث حماة الريع عن إصلاح المجلس الوطني للصحافة

يبدو أن مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة لم يُنتج فقط نصًا قانونيًا مشوّهًا، بل أطلق العنان أيضًا لبعض الأقلام التي اعتادت التهليل حين تمرّ المشاريع من فوق، لا من الداخل.
أحد المقالات الأخيرة التي ظهرت، والتي تسوّق للمشروع تحت عنوان “النقاش العقلاني”، تصلح نموذجًا بيداغوجيًا لتفسير كيف يُمكن للسطحي أن يلبس ثوب الحكمة، وللمرتبك أن يُقدّم نفسه ضامنًا للاستقرار المهني.
كثيرٌ من الكلام القاسي قيل ضد من يرفض المشروع، بل تم توزيع “شواهد الوطنية” و”رخص المهنية” كما تُوزع حصص الإشهار في مواسم الانتخابات. ولأن صاحب المقال يعرف أن مشروع القانون لا يستطيع أن يصمد أمام تحليل قانوني متين، فقد قرر أن لا يناقشه أصلًا، بل فظل القفز إلى الأعلى ما دامت تقنية مألوفة حين يكون النقاش في العمق مرهقًا.
في كل فقرة من مقاله، يُجهد الكاتب نفسه في التنظير لفضيلة الصمت، وفي نفس الوقت يصرخ في وجه من لا يصفقون، فهو لا يريد حوارًا، بل يريد مبايعة، يريد “نقاشًا مؤسساتيًا” ينتهي بأن نمدح القانون ونشكر الحكومة على نعمة بدعة الانتداب، في الوقت الذي لا توجد فيه مؤسسة في العالم تُنظم نفسها ديمقراطيًا بالإملاء.
المفارقة أن المقال لا يقدّم فكرة واحدة صلبة، بل يُمارس نوعًا من “الهندسة الخطابية” من خلال اتهام الرافضين بالتسرع، واتهامهم بالمصالح، وبالتضليل، ويُلمح إلى أنهم خائفون دون أن يذكر ممن؟ هل من المجلس المنتخب؟ أم من الشفافية؟ أو من الحوار؟ لا أحد يدري، ربما من لم يُعرف له موقف واحد في لحظة صدق مهني، وها هو اليوم يوزع صكوك الرشد من بعيد.
في الوقت الذي كان من المفترض فيها أن ترتفع الأصوات المهنية دفاعًا عن مبدأ الانتخاب، عن حق الصحافيين في تمثيل أنفسهم، وعن استقلالية القرار داخل المجلس، خرجت علينا بعض المقالات التي تُشبه تمامًا ما كانت تنشره صحافة الحزب الواحد، فقط بتقنيات جديدة، وأسلوب أقل ضجيجًا وأكثر دهاءً.
اللافت أن صاحب هذا النوع من الخطاب لا يخجل من أن يُلقي دروسًا في “ثقافة الحوار”، بينما ينفث في كل فقرة أحكامًا مسبقة، ويختتم مقاله بجملة من نوع، “افتحوا قلوبكم… إن كان للبعض قلب أصلًا”، وهي عبارة تليق بحساب وهمي على الفيسبوك أكثر مما تليق بقلم يدّعي الحكمة.
المشروع الذي ندافع عن رفضه لا يُختزل في معركة كراسي ولا “شغب نقابي”، بل هو أخطر من ذلك، هو مشروع لتدجين التنظيم الذاتي، وتفصيله على مقاس الأقلية المالية التي تريد صحافة خاضعة، وبكماء، وسهلة التوجيه. والمقال إياه لم يجب عن أي من هذه القضايا، بل اختبأ وراء شعارات فارغة من قبيل “نحتاج إصلاحًا”، “يجب مواكبة العصر”، “لا بد من الضبط”.
لقد كان من الممكن احترام وجهة نظر مختلفة لو أنها امتلكت شجاعة الاعتراف بالخلل، أو عرضت تفاصيل من المشروع تدعو للنقاش، لكنها لم تفعل، وبدل ذلك، اكتفى صاحبها بحراسة النص من بعيد، كما لو أن الصحافة مجرد ملحق إداري في صفقة أكبر.
كم هو جميل أن ينطق من تربّى في أحضان الفوضى، فجأة، باسم النظام، وكم هو مؤلم أن يتحدث من أمضى سنواته في صناعة التفاهة عن أخلاقيات الصحافة، وهو الذي لم نقرأ له يومًا دفاعًا عن استقلال المهنة أو وقفة ضد القمع أو موقفًا من الرقابة.
أصحاب المقالات المُعطرة بالوعظ والوعود، هم آخر من يحق لهم الحديث عن إصلاح المجلس الوطني للصحافة، ليس لأننا نرفض رأيهم، بل لأنهم ببساطة لم ينتموا يومًا إلى هموم المهنة، بل كانوا دومًا جزءًا من معضلتها.
وأسوأ ما في هذه المقالات أنها لا تسعى حتى إلى الإقناع، بل إلى تطبيع العبث وتحويله إلى “حل مؤسساتي”، مع أن كل من يعرف خبايا هذا المشروع يدرك أنه لا يستهدف تطوير المهنة، بل تأميمها بلغة قانونية ناعمة.
المعركة التي نخوضها اليوم ليست ضد شخص أو نص فقط، بل ضد ذهنية كاملة ترى الصحافة ملحقًا للسلطة، لا سلطة مستقلة، وترى التنظيم الذاتي فرصة للتعيين، لا آلية للمساءلة.
باختصار، لا أحد مخلوع، كما يقول المقال، نحن فقط نعرف تمامًا أين تُطبخ المشاريع، ومن يكتب لها المقدمات، ومن يلمّعها في الصحف، لكن لا بأس، فبعض المقالات تُكتب لا لتقنع، بل فقط لتُسوّق الفاتورة وتقبض الثمن.