فريد بواحي يفجّر نقاش التنمية المحلية.. الجماعات ليست مسؤولة عن المشاريع الكبرى ومكناس ليست استثناءً

في خضم النقاش المتصاعد حول التنمية المحلية، والمطالب المتكررة بإنجاز مشاريع كبرى في مدن مثل مكناس، خرج الدكتور فريد بواحي، الباحث في السياسات العمومية، بتدوينة مثيرة تدعو إلى تحكيم العقل والفهم المؤسساتي بدل الانجرار وراء المزايدات السياسية أو تبسيط النقاش التنموي.
وأوضح بواحي أن اعتقاد البعض بأن الجماعة، أو حتى رئيس المجلس الجماعي، قادرون بمفردهم على إطلاق مشاريع مهيكلة وكبرى هو تصور ساذج وخاطئ من الناحية القانونية والعملية، موضحًا أن الأمر يتطلب رؤية استراتيجية وتمويلًا كبيرًا وشراكات متعددة المستويات، تشمل الدولة، القطاع الخاص، المؤسسات المنتخبة، وأحيانًا حتى المجتمع المدني.
وأشار المتحدث إلى أن القانون التنظيمي رقم 113.14، المنظم لاختصاصات الجماعات، يحصر دور المجلس الجماعي في تقديم الخدمات الأساسية، مثل النظافة، الإنارة، الطرق المحلية، النقل الحضري، والأسواق، مضيفًا أن التجاوز نحو مشاريع أكبر لا يتم إلا في حدود الميزانية المحلية أو عبر شراكات مع الدولة ومؤسسات أخرى.
وسجل بواحي أن تحميل الجماعات مسؤوليات تفوق اختصاصها هو خلل في فهم الوظيفة المؤسساتية، وتضليل للرأي العام المحلي، مستغربًا من الخطابات التي تتعامل مع التنمية وكأنها “توزيع اجتماعي للرضا”، في تجاهل تام لهرم الصلاحيات والتمويل في المغرب.
في السياق ذاته، أوضح الدكتور فريد بواحي أن العمالات والأقاليم، بموجب القانون التنظيمي 112.14، تلعب أدوارًا تنسيقية وإدارية، وتتكلف بتتبع بعض المشاريع ذات البعد الإقليمي، دون أن تملك سلطة اتخاذ القرار في المشاريع الكبرى الممولة مركزيًا.
أما الجهات، فقد أكد أنها تتحمل العبء الأكبر في التنمية الترابية، بحكم القانون التنظيمي 111.14، الذي يمنحها صلاحيات واسعة في التخطيط الاستراتيجي الجهوي، التنمية الاقتصادية، البنيات التحتية الكبرى، النقل، وجذب الاستثمار، ما يجعلها الفاعل المركزي في أي تحوّل اقتصادي أو عمراني حقيقي.
ولم يغفل بواحي دور البرلمانيين والمنتخبين، الذين أكد أن دورهم تشريعي ورقابي وترافعي، وليس تنفيذيًا، موضحًا أنهم مطالبون بالدفاع عن قضايا مناطقهم أمام الحكومة، وتتبع الملفات، وليس إنجاز المشاريع بأيديهم كما يتوهم البعض.
وختم تدوينته برسالة واضحة مفادها أن من يريد رؤية مدينة مزدهرة، فعليه أولًا أن يصحح فهمه للمنظومة، ويطّلع على القوانين المؤطرة للعمل المؤسساتي، قبل أن يطلق أحكامًا مجانية أو يُحمّل أطرافًا محلية مسؤوليات تفوق إمكانياتها القانونية والمالية.
وتأتي هذه الرسالة في وقت تشهد فيه بعض المدن، وفي مقدمتها مكناس، موجة نقاشات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب بإنجاز مشاريع اقتصادية وسياحية كبرى، في مقابل واقع مؤسساتي معقد ومركب يتطلب تضافر الجهود وليس تبادل الاتهامات.